حكم التجويد
الحكم على التجويد يختلف تبعاً لأقسام التجويد، وهما قسمان:
القسم النظري المعرفي -وهو المدوَّن في كتب الفن-: وحكمه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم والحرج عن الجميع.
القسم العملي التطبيقي: وحكمه فرض عين على كل قارئ -حَسَب استطاعته- سواء قرأ من القرآن قليلاً أو كثيراً، وهذا الوجوب ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وجه الدلالة أنه أَمْر، والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، وليس ثمة قرينة صارفة، وقد أكد الأمر بالمصدر ﴿تَرۡتِيلًا﴾؛ اهتماماً به وتعظيماً له.
وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ﴾ [البقرة: 121]، روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن مسعود قال: (والذي نفسي بيده إن حقَّ تلاوته أن يُحِلَّ حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله).
وقال : (ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن).
والتجويد العملي هو ما كان متعارفاً عليه بين الصحابة ، وعنهم أخذه من بعدهم. فعن أنس حين سُئل عن قراءة النبي قال: (كان يَمُدُّ مَدّاً)، أي: يقرأ بتُؤَدَةٍ، ويُخْرج الحروف من مخارجها، ويمد ما يستحق المد.
ولما سُئل علي عن الترتيل قال: (هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف).
وعن ابن مسعود قال: قال لنا علي بن أبي طالب : (إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما عُلِّمتم).
ولما قرأ رجل أمام ابن مسعود ﴿لِلۡفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: 60] مرسلة قال له: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ، قال: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن، قال: أقرأنيها ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾، فمدَّها.
وهو الذي أخذ سبعين سورة من في النبي ، وقال فيه النبي : (من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد).
وقد تلقَّت الأمة قراءة القرآن بهذه الكيفية عن النبي جيلاً بعد جيل، مع ما تكفَّل الله بحفظه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فكيفية القراءة سنة متبعة، والعدول عن هذه الكيفية يفتقر إلى الدليل.
قال ابن الجزري في «مقدمته»:
وقال -مبيناً معنى هذين البيتين-: «ولا شكَّ أن الأمة كما هم متعبَّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، متعبَّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية، التي لا يجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها، والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم، أو معذور.
فمن قَدَر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النَّبَطي القبيح؛ استغناء بنفسه واستبداداً برأيه وحَدْسه، واتكالاً على ما ألف من حفظه، واستكباراً عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصِّرٌ بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشٌّ بلا مِرْية، فقد قال رسول الله : (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). أما من كان لا يطاوعه لسانه أو كان لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه، فإن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها».
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.