مقدِّمة الكتاب
الحمد لله الذي شرف المسلمين بالقرآن الكريم، وجعله لهم عزاً وفخراً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: 44]، ويسر كلماتِه للتلاوة والحفظ، ومعانيَه للفهم والتدبر، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 17]، والصلاة والسلام على سيد الورى وإمام أهل التُّقى، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على إثرهم واقتفى.
أما بعد:
فإن تلاوة القرآن العظيم من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات، فما تقرَّب أحد إلى الله بمثل تلاوة كلامه .
وقد علَّم النبي صحبه الكرام القرآن الكريم، وأتقنوا تلاوته، وضبطوها ضَبْطَ معرفة وإتقان، فصارت أحكام التلاوة صفة شرعية لهذه العبادة الجليلة، وسنةً متبعة يأخذها الآخر عن الأوَّل.
وطَفِق الصحابة ومَن بعدهم يعلِّمون كتاب الله، وينشرون نور القرآن في الآفاق، حتى غَيَّرُوا بالقرآن العظيم مجرى التاريخ، وعرَّفوا العالم مبادئ الخير والإصلاح.
وقد كان «علم التجويد» من علم القراءات، وكانت مباحثه ومسائله في ثنايا كتب القراءات، وظهر أول تأليف لفصل بعض أقسام علم التجويد عن كتب القراءات في منظومة الإمام أبي مزاحم موسى بن عُبَيد الله الخاقاني (ت: 325ﻫ) في حسن الأداء المعروفة بـ «الخاقانية».
ثم تتابع التأليف في علم التلاوة والأداء بصورة أشمل مما حوته أبيات الخاقاني ككتاب: «التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي» لأبي الحسن السَّعيدي (ت نحو: 410ﻫ)، وكتاب «بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها القراء، وإيضاحِ الأدوات التي بني عليها الإقراء» لأبي علي الحسن بن أحمد المعروف بابن البَنَّاء (ت: 471ﻫ).
وكان لعلماء الأندلس اهتمام بارز، وحضور ملحوظ في العناية بالتصنيف في علم التجويد كمكي بن أبي طالب القيسي (ت: 437ﻫ)، وأبي عمرو الداني (ت: 444ﻫ)، وعبد الوهاب القرطبي (ت: 462ﻫ)، وابن الطَّحان السُّماتي (ت: 560ﻫ).
وهذه المصنفات المشار إليها لم تذكر جميع مباحث «علم التجويد» كما تناولها المتأخرون من أهل العلم؛ لأن المتقدمين تناولوا أصول هذا العلم وكبير مسائله، كما قال ابن الأثير : «... أَنَّ كلَّ مبتدئ لشيء لم يُسْبَق إليه، ومبتدع لأمر لم يُتَقَدَّم فيه عليه، فإنه يكون قليلاً ثم يكثر، وصغيراً ثم يكبر».
وتمثِّلُ منظومة «المقدِّمة الجَزَرية» للإمام ابن الجزري (ت: 833ﻫ) واسطة العِقْد في مؤلفات «علم التجويد».
إذ أرست قواعد هذا العلم، وحدَّدت معالمه في أربعة محاور، وهي: مخارج الحروف، وصفاتها، والمسائل التجويدية، والوقف والابتداء.
لذلك لاقت هذه «المقدِّمة» اهتماماً كبيراً، وشرحها عدد من العلماء، وساروا على مِنوالها في التأليف بعد ذلك، وقد استشهدنا في كتابنا هذا بكثير من أبياتها وأبيات من غيرها؛ حتى يرتاض قارئه عليها، ولتكون له قواعد علمية ثابتة بصورة قوالبَ من الشعر التعليمي.
وقد رأى مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف أهمية تقريب «علم التجويد»، وتسهيله للناشئة والمبتدئين، في كتاب «التجويد الميسَّر» ضمن سلسلة ميمونة، صدر منها:
1.التفسير الميسَّر.
2.كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة.
3.كتاب الذِّكْر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة.
4.كتاب الفقه الميسَّر في ضوء الكتاب والسنة.
5.الميسَّر في غريب القرآن الكريم.
فكلَّف المجمعُ لجنة من أهل الاختصاص -بموافقة من معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد المشرف العام على المجمع- لتأليف هذا الكتاب؛ كي تتكامل حلقة تيسير العلوم التي يحتاج إليها المكلَّفون، ويعسُر عليهم تناولها من المصادر المطوَّلة.
ويُعَدُّ تأليف هذا الكتاب تسهيلاً لهذا العلم، وتبسيطاً لمسائله على عامة المتعلِّمين.
فقد راعينا فيه اشتماله على أهم مباحث «علم التجويد» بعبارة وجيزة، مع استيعاب المعنى وشموله، وتوخي السهولة في الأسلوب، ووضوح تقرير المسائل وعرضها، وابتعدنا عن التفصيل المطوَّل والتفريع في الأبحاث، ونبهنا على بعض المسائل المهمة الخفية، التي يُحتاج إليها في تلاوة القرآن الكريم.
واعتمدنا في المسائل الخلافية -عند تعدد الآراء- الرأي الراجح، الذي عليه أهل التحقيق من العلماء، وأتبعنا كلَّ مسألة بما يدل عليها من نظم الأقدمين إن كان وافياً، وإلا فمن نظم المتأخرين.
ولم نلتزم إيراد المراجع في الحواشي إلَّا في بعض المسائل التي رأينا أهمية توثيقها، وعَزَوْنا أمثلة القرآن الكريم إلى مواضعها بذكر اسم السورة ورقم الآية، مع الاكتفاء بالعزو إلى أول موضع يَرِدُ فيه الشاهد غالباً، ووثقنا نصوص الأحاديث من مظانها من كتب السنة، مع نقل كلام نُقَّاد الحديث في بعضها.
ولم نكثر من إيراد تعليل أوجه أحكام التلاوة؛ لئلا نَصْبِغ تلك القواعد بصفة الاجتهاد والاستحسان، دون رواية أو أثر.
وأحكام التجويد المذكورة في هذا المختصر هي وَفْقُ رواية حفص عن عاصم الكوفي من طريق كتاب «الشاطبية»؛ لأن الكثير من المسلمين يقرؤون القرآن الكريم بمضمَّنها، والمصاحف المطبوعة وَفْقَ رواية حفص مضبوطة حَسَب هذه الطريق.
ونؤكد أن معرفة مباحث هذا الكتاب وإتقانَ فهمها هو معرفة نظرية لهذا العلم، ولا تتمُّ هذه المعرفة ولا تكمُل إلا بالعرض والقراءة على شيوخ هذا العلم المتقنين؛ لأن هناك أموراً في القراءة لا تُحْكَم ولا تُضْبَط إلا بالتلقي والمشافهة؛ لذلك ينبغي لطالب هذا العلم أن يتخيَّر للقراءة شيخاً متقناً ضابطاً، قد استكمل الأهلية في هذا الأمر، فيحرص على الأخذ عنه وطول ملازمته.
وقد اهتمَّ الصحابة بالناحية العملية في التجويد، فنراهم قرؤوا على النبي ، وقرأ بعضهم على بعض.
ولما بعث عثمان المصاحف إلى الأمصار أرسل مع كل مصحف مقرئاً ضابطاً يقرئ عامة الناس بما فيه، وَفْقَ ما قرأ ورَوَى.
ولا يمكن فَصْل التجويد العملي الناشئ عن المِران والدُّرْبة والأخذ عن أفواه المعلِّمين عن التجويد النظري، دون الممارسة والتلقِّي.
قال الداني في تعريف التجويد: «ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه، وبلوغ النهاية في تحسينه»، وقال: «وليس بين التجويد وتَرْكِه إلَّا رياضةُ من تدبره بفكِّه».
وقد أخذ هذا المعنى ابن الجزري فنظمه في «مقدِّمته»، فقال:
نسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعل أعمالنا كلَّها خالصة لوجهه الكريم، كما نسأله سبحانه أن يجزي ولاة أمر هذه البلاد عن خدمة القرآن الكريم ونشره أفضل الجزاء، ويحفظ بلاد الحرمين، وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، إنه على كل شيء قدير.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
المؤلفون
الدكتور: علي بن عبد الرحمن الحذيفي (مشرفاً ومراجعاً)
الشيخ: عبد الرافع رضوان (عضواً)
الدكتور: محمد عمر حَوِيَّه (عضواً)
الدكتور: حازم بن سعيد السعيد (عضواً)
الأستاذ الدكتور: محمد سيدي الأمين (عضواً)
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.