تحذير من مبتدعاتٍ في التلاوة
من المتفق عليه لدى علماء القراءة وأئمة الأداء أن لتلاوة القرآن الكريم كيفية مخصوصة، يجب على القارئ شرعاً أن يلتزم بها في تلاوته؛ ليحصل على الأجر الذي وعد الله به القارئين الذين يخشون الله في قراءتهم.
وهذه الكيفية تتجلى في تجويد كلمات القرآن، وتقويم حروفه، وتحسين أدائه، وذلك بإعطاء كل حرف حقَّه ومستحَقَّه من الإجادة والإتقان، والترتيل، والإحسان، ولا يكون ذلك إلا بإخراج كل حرف من مخرجه الأصلي، وتوفيته صفاته المعروفة مع التيسير والتسهيل من غير تكلف، وهذا هو الأمر اللازم الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم في تلاوته كتاب ربه، ولا يحيد عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ولا شك أن هذه القراءة تملأ القلوب سكينة وطمأنينة، وتفتح طريق الهداية والرشاد أمام التالين والسامعين، وهذه الكيفية هي التي نزل بها القرآن الكريم، وأمر الله بها رسوله الكريم في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وهكذا كانت قراءة النبي مفسَّرة كلمة كلمة، مبيَّنة حرفاً حرفاً.
ولكن بعض من يقرؤون القرآن الكريم ابتدعوا في القراءة أموراً لا تَحِلُّ ولا تجوز؛ لأنها تكون في القراءة إما بزيادة عن الحدِّ الوارد، أو بنقص عنه، وذلك بقصد صرف الناس إلى سماعهم.
فمن ذلك: المبالغة في إخفاء الحروف بحيث يصبح الإخفاء شبيهاً بالمد، أو جعْلُ النون الساكنة أو التنوين الواقعتينِ قبل حروف الإخفاء إظهاراً بغنة.
ومنها: ضم الشَّفتين عند النطق بالحروف المفخمة المفتوحة؛ لأجل المبالغة في التفخيم.
ومنها: خلط الحروف المرققة بشيء من الإمالة؛ ظناً من القارئ أن ذلك مبالغة في الترقيق.
ومنها: إعطاء الحرف صفة مجاوره، قوية أو ضعيفة.
قال الشيخ السمنودي في «التحفة السمنودية» تحت عنوان «باب التحذير والتحسين»:
ومنها: الإفراط في المد زيادة على مقداره؛ لأن المد له نهاية يوقف عندها، ومقدار لا يجوز تجاوزه، ومذاهب القراء فيه معلومة، ومنصوص عليها.
ومنها: إشباع حركة ما قبل النون الساكنة الواقع بعدها حرف من حروف الإخفاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ [البقرة: 283]، فيتولَّد من إشباع كسرة الهمزة ياء، ويتولد من إشباع ضمة الكاف واو، وهذا خطأ في القراءة يجب تجنبه؛ لأنه لحن وربما يفسد المعنى. ومن ذلك إشباع حركة ما قبل الميم المشددة والنون المشددة نحو: ﴿إِمَّا﴾ و﴿إِنَّ﴾، فيتولد من هذا أيضاً ياء مدية؛ وذلك من أجل المبالغة في الغنة، وهذا خطأ يجب التحرز منه أيضاً.
ومنها: تخفيف الحرف المثقل، مثل: ﴿ٱلۡحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وعكسه مثل: ﴿بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6]، وبخاصة إذا كان الحرف موقوفاً عليه.
ومنها: مدُّ ما لا مدَّ فيه، كمد الواو في قوله تعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] وصلاً، والياء من ﴿غَيۡرِ﴾ في قوله تعالى: ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 7]؛ لأن الواو والياء إذا انفتح ما قبلهما كانا حرفي لين لا مد فيهما وصلاً، ولكنهما قابلان للمد عند ملاقاة سببه، وهو الهمز أو السكون.
ومنها: المبالغة في نبر الهمزة وضغط صوتها حتى تشبه صوت المتهوِّع.
قال الإمام السخاوي في «نونيته»:
ومنها: عدم ضم الشفتين عند النطق بالحرف المضموم؛ لأن كل حرف مضموم لا يتم ضمه إلا بضم الشفتين، وإلا كان ضمه ناقصاً، ولا يتم الحرف إلا بتمام حركته فإن لم تتم الحركة لا يتم الحرف، وكذلك الحرف المكسور لا يتم إلا بخفض الفم وإلا كان ناقصاً.
وكذلك الحرف المفتوح لا يتم إلا بفتح الفم وإلا كان ناقصاً، وهو حركته، لذا يجب إخلاص حركة الحرف عند النطق بها إخلاصاً تاماً حتى لا تنقص الحروف بنقص حركاتها، قال العلامة الطِّيْبي:
قال صاحب «نهاية القول المفيد في علم التجويد» معلقاً على هذا: «يعني أن الحروف تنقص بنقص الحركات، فيكون حينئذ أقبح من اللحن الجلي؛ لأن النقص من الذوات أقبح من ترك الصفات».
ومنها: عدم بيان الحرف المبدوء به والموقوف عليه، حتى لا يكاد يسمع لهما صوت.
ومن الأمور التي ابتدعها بعضهم في التلاوة شيء يُسمَّى بالتحريف، أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون ويقرؤون بصوت واحد، فيقطِّعون القراءة ويأتي بعضهم ببعض الكلمة، والآخر ببعضها الآخر، ويحافظون على مراعاة الأصوات، ولا ينظرون إلى ما يترتب على ذلك من الإخلال بالثواب فضلاً عن الإخلال بتعظيم كلام الجبار، فكل ذلك حرام يمتنع قبوله، ويجب رده وإنكاره على مرتكبه.
ومنها: الترعيد: وهو أن يرعُد صوته كالذي يرعُد من بَرْدٍ وأَلَم، وقد يخلطه بشيء من ألحان الغناء.
ومنها: ما يُسمَّى بالتطريب، وهو أن يترنَّم بالقرآن ويتنغم به، فيمد في غير مواضع المد، ويزيد في المد على ما ينبغي؛ لأجل التطريب فيأتي بما لا تجيزه القواعد.
والقرآن الكريم لا تتقن تلاوته إلا بالتلقي عن الشيوخ المتقنين الأثبات.
هذه بعض المآخذ التي يقع فيها كثير من الناس عند التلاوة، وهي منافية لحقيقة التجويد.
فعلى كل قارئ أن يجعل غايته الحفاظ على كتاب الله تعالى؛ تحقيقاً لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
والحمد لله رب العالمين.
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.