باب مخارج الحروف
هذا الباب من أهم أبواب علم التجويد، وكذا باب الصفات الآتي بعده، وقد نبَّه ابن الجزري على أهمية معرفتهما؛ لما يترتب على ذلك من النطق بأفصح اللغات، وهي لغة العرب التي نزل القرآن بها على النبي ، قال الحافظ ابن الجزري في «المقدمة الجزرية»:
فالمخارج: جمع مخرج.
والمخرج لغة: محل الخروج.
واصطلاحاً: محلُّ خروج الحرف، وتميُّزه عن غيره.
والحروف: جمع حرف، والحرف لغة: الطرف.
واصطلاحاً: صوت اعتمد على مخرج محقَّق أو مقدَّر، فالمحقَّق ما اعتمد على جزء معين من أجزاء الحلق، أو اللسان، أو الشفتين، أو الخيشوم، والمقدَّر ما اعتمد على مخرج مقدَّر، وهو الجوف.
والمراد بالحروف هنا: الحروف الهجائية، التي هي حروف المباني، لا حروف المعاني المذكورة في علم العربية، كباء الجر، وهمزة الاستفهام.
ولما كانت مادة الحرف هي الصوت الذي هو الهواء الخارج من داخل الرئة متصعِّداً إلى الفم، رتَّب العلماء مخارج الحروف باعتبار الصوت، فقدَّموا في الذكر ما هو أقرب إلى ما يلي الصدر، ثم الذي يليه، وهكذا حتى ينتهي إلى مقدَّم الفم؛ لذلك جعلوا أولها أول الحلق، وآخرها أول الشفتين، ولم ينظروا إلى قامة الإنسان، وإلا لجعلوا أولها أول الشفتين وآخرها أول الحلق.
عدد مخارج الحروف:
اختُلِف في عدد مخارج الحروف، والذي اختاره الحافظ المحقِّق ابن الجزري، وعليه المعوَّل أنها سبعةَ عشرَ مخرجاً.
وهذه المخارج السبعةَ عشرَ تسمَّى المخارج الخاصة، وتنحصر في خمسة مخارج كلية، وهي:
الأول: الجوف، وفيه مخرج واحد.
الثاني: الحلق، وفيه ثلاثة مخارج.
الثالث: اللسان، وفيه عشرة مخارج.
الرابع: الشَّفَتان، وفيهما مخرجان.
الخامس: الخيشوم، وفيه مخرج واحد.
وإذا أردت أن تعرف مخرج أيِّ حرف فسكِّنه، أو شدِّدْه وهو الأظهر، وأدخِلْ عليه همزة الوصل، وأصغ إليه، فحيث انقطع الصوت كان مخرجه المحقَّق، وحيث يمكن انقطاع الصوت في الجملة كان مخرجه المقدَّر.
بيان المخارج العامَّة وما فيها من مخارج خاصة:
المخرج الأول: الجوف: وهو الخلاء الداخل في الفم والحلق، ويخرج منه أحرف المد الثلاثة، وهي:
1.الألف، ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً.
2.والواو الساكنة المضموم ما قبلها.
3.والياء الساكنة المكسور ما قبلها.
وقد أشار الحافظ ابن الجزري إلى هذا المخرج في «المقدمة الجزرية» بقوله:
المخرج الثاني: الحلق: وهو مخرج كُلِّي، وفيه ثلاثة مخارج جزئية لستة أحرف، وهي:
1.أقصى الحلق، أي: أبعده مما يلي الصدر، ويخرج منه حرفان: الهمزة، فالهاء.
2.وسط الحلق، ويخرج منه حرفان: العين، فالحاء المهملة.
3.أدنى الحلق، أي: أقربه مما يلي الفم، ويخرج منه حرفان: الغين فالخاء المعجمتان.
وقد أشار إلى مخارج الحلق الثلاثة الحافظ ابن الجزري في «المقدمة الجزرية» بقوله:
المخرج الثالث: اللسان: وهومخرج كُلِّي، وفيه عشرة مخارج جزئية لثمانية عشر حرفاً، تنحصر في أربعة مواضع منه، وهي: أقصاه، ووسطه، وحافَتاه، وطرفه.
1.أقصى اللسان أي أبعده مما يلي الحلق وما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه القاف.
2.أقصى اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى تحت مخرج القاف، ويخرج منه الكاف.
3.وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه ثلاثة أحرف، وهي: الجيم، فالشين، فالياء غير المدية.
4.إحدى حافَتي اللسان، وما يليها من الأضراس العليا، ويخرج منه الضاد المعجمة، وخروجها من الجهة اليسرى أسهل وأكثر استعمالاً، ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالاً، ومن الجانبين معاً أعزُّ وأعسر.
5.أدنى حافتي اللسان، أي أقربهما إلى مقدَّم الفم بعد مخرج الضاد مع ما يليها من اللِّثَةِ العُلْيا، ويخرج منه اللام، وخروج اللام من الحافَة اليسرى أقلُّ وأعسر، ومن اليمنى أكثر وأسهل -عكس الضاد- وخروجها من الحافَتين معاً عزيز وصعب، كما في الضاد، على أنه لا صعب مع التلقي الصحيح، ورياضة اللسان وطول المِران.
6.طرف اللسان تحت مخرج اللام قليلاً وما يحاذيه من لِثَة الأسنان العليا، ويخرج منه النون.
7.طرف اللسان مع ظهره بالقرب من مخرج النون وما يحاذيه من لِثَة الأسنان العليا، ويخرج منه الراء.
8.طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، ويخرج منه: الطاء، فالدال المهملتان، فالتاء المثناة الفوقية.
9.طرف اللسان فويق الثنايا السفلى، ويخرج منه: الصاد، فالسين، فالزاي.
10.طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا -أي رؤوسها- ويخرج منه: الظاء، فالذال المعجمتان، فالثاء المثلثة.
وإلى مخارج اللسان العشرة أشار الحافظ ابن الجزري في «المقدمة» بقوله:
المخرج الرابع: الشَّفَتان: وفيهما مخرجان:
1.بطن الشَّفَة السفلى مع أطراف الثنايا العليا، ويخرج منه الفاء.
2.الشفتان معاً ويخرج منهما الباء الموحدة، فالميم، فالواو غير المدية، لكن بانفتاحهما في الواو قليلاً، وانطباقهما في الباء والميم، وانطباقهما مع الباء أقوى من انطباقهما مع الميم.
المخرج الخامس: الخيشوم: وهو أقصى الأنف، ويخرج منه حرفا الغنة، وهما: النون والميم في حالة إخفائهما أو إدغامهما بغنة، فيتحوَّلان عن مخرجهما الأصلي إلى الخيشوم في هاتين الحالتين، ويخرجان منه فقط.
أما في حالة تشديدهما مثل: ﴿إِنَّ﴾، و﴿ثُمَّ﴾، فيخرجان من مخرجهما الأصلي السابق الذي هو طرف اللسان بالنسبة إلى النون، والشفتان بالنسبة إلى الميم مع خروجهما من الخيشوم.
وأما في حالة تحريكهما أو إسكانهما مظهرتين فإنهما يخرجان من مخرجهما الأصلي فقط، فلهما ثلاث حالات.
وقد أشار إلى مخرج الشفتين، ومخرج الخيشوم الحافظ ابن الجزري في «المقدمة الجزرية» بقوله:
ألقاب الحروف:
وهي عشرة ألقاب: جوفية، وهوائية، وحَلْقية، ولَهَوِيَّة، وشَجْرية، وذَلْقية، أو ذَوْلقية، ونِطْعية، وأَسَلِيَّة، ولِثَوية، وشَفْوية، أو شفهية.
1، 2.الجوفية والهوائية: هي حروف المد الثلاثة؛ ولقبت بذلك لأن مبدأ أصواتها من مبدأ الحلق، ثم تمتد الأصوات وتمر في جوف الحلق كلِّه والفم، وهو الخلاء الداخل فيه، فليس لهن حيز محقق ينتهين إليه، كما هو لسائر الحروف، بل ينتهين بانتهاء الهواء، أي: هواء الفم، وهو الصوت.
3.الحَلْقية: وهي ستة أحرف: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء؛ ولقبت بذلك ونسبت إلى الحلق لخروجها منه.
4.اللَّهَويَّة: وهما القاف والكاف؛ لقبا بذلك لأنهما يخرجان من آخر اللسان عند اللَّهاة، فنسبا إليها.
5.الشَّجْرية: -بسكون الجيم- وهي ثلاثة أحرف: الجيم، والشين، والياء؛ لقبت بذلك لخروجها من شَجْر الفم، وهو منفتح ما بين اللَّحْيين، وزاد الخليل بن أحمد في «كتاب العين» الضاد.
6.الذَّلْقية: ويقال: الذَّوْلَقية، وهي ثلاثة أحرف: اللام، والنون، والراء؛ لقبت بذلك نسبة إلى موضع خروجها وهو طرف اللسان؛ إذ طرف كل شيء ذَلْقه.
7.النِّطْعية: وهي ثلاثة أحرف: الطاء، والدال، والتاء؛ لقبت بذلك لخروجها من اللِّثَة المجاورة لِنطْع الفم، أي: جلد غار الحنك الأعلى، وهو سَقْفه.
8.الأَسَلية: وهي ثلاثة أحرف: الصاد، والسين، والزاي؛ لقبت بذلك لخروجها من أسَلَة اللسان وهي طرفه أو مُستَدَقه.
9.اللِّثَوية: وهي ثلاثة أحرف: الظاء، والذال المعجمتان، والثاء المثلثة؛ لقبت بذلك لمجاورة مخرجها للِّثَة العليا، وهي: اللحم المركب فيه الأسنان.
10.الشَّفْوية، أو الشَّفَهية: وهي أربعة أحرف: الفاء، والواو، والباء، والميم؛ لقبت بذلك لخروجها من الشَّفَة.
وقد نظم هذه الألقاب العشرة السمنودي في كتابه: «لآلئ البيان في تجويد القرآن»، فقال:
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.