بيّن.

منصّة العبادة الذكية والرفيق الوكيل

bayyin.org — بُني على مصادرَ موثّقة ومعتمدة

فهرس الدروس
درس 12

باب أحكام النون الساكنة والتنوين

النون الساكنة: هي التي لا حركة لها مثل: ﴿مَنۡ﴾ [البقرة: 62]، و﴿عَنۡ﴾ [البقرة: 119]، وتكون في الأسماء نحو ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ [آل عمران: 14]، والأفعال نحو ﴿يَنۡهَوۡنَ﴾ [الأنعام: 26]، والحروف، وتأتي متوسطة، ومتطرفة.

والتنوين: هو نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم لفظاً، وتفارقه في الخط والوقف.

وللنون الساكنة والتنوين بالنسبة إلى ما يأتي بعدها من الحروف الهجائية أربعة أحكام، وهي: الإظهار، والإدغام، والإقلاب، والإخفاء.

الحكم الأول: الإظهار: وهو لغة: البيان.

واصطلاحاً: إخراج كل حرف من مخرجه من غير غنة في الحرف المظهر. وحروف الإظهار ستة، وهي:

1. الهمزة 2. الهاء 3. العين 4. الحاء 5. الغين 6. الخاء

وتكون هذه الحروف مع النون الساكنة في كلمة أو في كلمتين، ولا تكون مع التنوين إلا في كلمتين.

مثال النون مع هذه الأحرف من كلمة ومن كلمتين:

﴿وَيَنۡـَٔوۡنَ﴾ [الأنعام: 26] ولا ثاني لهذا المثال في المصحف، ﴿مَنۡ ءَامَنَ﴾ [البقرة: 62]، ﴿مُّنۡهَمِرٖ﴾ [القمر: 11]، ﴿مَنۡ هَاجَرَ﴾ [الحشر: 9]، ﴿أَنۡعَمۡتَ﴾ [الفاتحة: 7]، ﴿إِنۡ عَلَيۡكَ﴾ [الشورى: 48]، ﴿يَنۡحِتُونَ﴾ [الحجر: 82]، ﴿مِّنۡ حَكِيمٍ﴾ [فصلت: 42]، ﴿فَسَيُنۡغِضُونَ﴾ [الإسراء: 51] ولا ثاني له، ﴿مِّنۡ غِلّٖ﴾ [الأعراف: 43]، ﴿وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] ولا ثاني له، ﴿مِنۡ خَيۡرٖ﴾ [البقرة: 197].

ومثال التنوين: ﴿كُلٌّ ءَامَنَ﴾ [البقرة: 285]، ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ﴾ [الأعراف: 30]، ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 83]، ﴿حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت: 42]، ﴿قَوۡلًا غَيۡرَ﴾ [البقرة: 59]، ﴿يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2].

ويسمى هذا الإظهار إظهاراً حَلْقيّاً؛ لخروج حروفه من الحلق. والسبب في إظهار النون الساكنة والتنوين عند هذه الأحرف الستة بُعْدُ المخرج، أي: بُعْدُ مخرجهما عن مخرج هذه الأحرف؛ لأن النون والتنوين يخرجان من طرف اللسان، والحروف الستة تخرج من الحلق.

وقد أشار الجمزوري في «تحفته» إلى هذه الأحكام، فقال:

للنونِ إن تسكُنْ وللتَّنوينِأرْبَعُ أحكامٍ فخُذْ تَبْيِينِي
فالأولُ الإظهارُ قَبْلَ أحْرُفِللحلْقِ ستٌّ رُتِّبَتْ فَلْتَعرفِ
همزٌ فهاءٌ ثم عينٌ حاءُمُهْمَلَتَانِ ثُمَّ غَيْنٌ خَاءُ

الحكم الثاني: الإدغام: وهو لغة: الإدخال.

واصطلاحاً: التقاء حرف ساكن بحرف متحرك؛ بحيث يصيران حرفاً واحداً مشدداً.

وحروفه ستة مجموعة في لفظ: «يَرْمُلون»، وهي: الياء، والراء، والميم، واللام، والواو، والنون.

أقسام الإدغام: ينقسم الإدغام إلى قسمين:

1.إدغام بغنة: وله أربعة أحرف مجموعة في لفظ «ينمو»، فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد النون الساكنة بشرط أن تكون في آخر الكلمة، أو بعد التنوين ولا يكون إلا آخراً، وجب الإدغام، أي: إدغام النون الساكنة أو التنوين فيه بغنة.

مثال النون في هذه الأربعة: ﴿مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: 8]، ﴿مِّن نِّعۡمَةٖ﴾ [النحل: 53]، ﴿مِن مَّآءٖ﴾ [البقرة: 164]، ﴿مِن وَلِيّٖ﴾ [البقرة: 107].

ومثال التنوين فيها: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ﴾ [الغاشية: 8]، ﴿فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]، ﴿نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا﴾ [الإنسان: 20]. وقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم أن شرط الإدغام أن يكون من كلمتين بأن يكون المدغم في آخر الكلمة الأولى، والمدغم فيه في أول الثانية.

ويسمى الإدغام بغنة إدغاماً ناقصاً؛ لذهاب الحرف وهو النون أو التنوين، وبقاء الصفة، وهي الغنة، فيكون الإدغام غير مستكمل التشديد. والذي عليه الجمهور أنه إنما يكون ناقصاً إذا أدغمت النون الساكنة أو التنوين في «الواو، أو الياء» فقط، وأما إذا أدغما في «النون، أو الميم» فإن الإدغام حينئذ يكون كاملاً؛ لأن في كل من المدغم والمدغم فيه غنة، فإذا ذهبت غنة المدغم بالإدغام بقيت غنة المدغم فيه فالتشديد مستكمل.

وإذا اجتمع المدغم مع المدغم فيه في كلمة واحدة -وذلك في النون الساكنة فقط- وجب الإظهار، ويسمى: إظهاراً مطلقاً؛ لأنه لم يقيَّد بكونه حلقياً أو شفوياً. وقد وقع هذا النوع من الإظهار في أربع كلمات في القرآن وهي: كلمة ﴿ٱلدُّنۡيَا﴾ حيث وقعت، وكلمة ﴿بُنۡيَٰنٞ﴾ كيف وقعت، وكلمة ﴿قِنۡوَانٞ﴾ [الأنعام: 99] وكلمة ﴿صِنۡوَانٞ﴾ في موضعيها، [الرعد: 4]، وإنما لم يدغم هذا النوع؛ لئلا يلتبس بالمضاعف، وهو ما تَكرَّر أحد أصوله.

وتلحق النون من هجاء ﴿يسٓ * وَٱلۡقُرۡءَانِ﴾ [يس: 1، 2]، و﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ﴾ [القلم: 1] بهذا النوع من الإظهار، فلا تدغم لحفص من طريق الشاطبية.

2.إدغام بغير غنة: وله حرفان وهما: اللام والراء، فمثال اللام بعد النون: ﴿مِّن لَّدُنۡهُ﴾ [الكهف: 2]، وبعد التنوين ﴿رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ومثال الراء بعد النون ﴿مِّن رَّبِّهِمۡ﴾ [البقرة: 5]، ومثالها بعد التنوين ﴿غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 23]. ويسمَّى الإدغام بغير غنة إدغاماً كاملاً؛ لذهاب لفظ المدغم وصفته معاً.

والسبب في إدغام النون الساكنة والتنوين في النون التماثل.

وفي الميم التجانس في الصفة، فقد اتحدت النون مع الميم في جميع الصفات.

وفي الياء والواو التقارب في الصفة، فقد اشتركت النون مع الواو والياء في الجهر، والاستفال، والانفتاح.

وفي اللام والراء التقارب في المخرج، وفي أكثر الصفات.

ووجه حذف الغنة مع اللام والراء المبالغة في التخفيف.

فللإدغام ثلاثة أسباب: التماثل، والتقارب، والتجانس.

قال الجمزوري في «تحفة الأطفال»:

والثانِ إدغامٌ بستَّةٍ أَتتْفي يَرْمُلُونَ عندهم قد ثَبَتَتْ
لكنها قِسمانِ قِسمٌ يُدْغَمافيه بغنَّةٍ بِيَنْمُو عُلِما
إلا إذا كَانَا بكلمةٍ فَلاتُدْغِمْ كدُنْيَا ثم صِنْوانٍ تَلا
والثانِ إدغامٌ بغيرِ غُنَّهْفي اللامِ والرَّا ثُمَّ كرِّرَنَّهْ

الحكم الثالث: الإقلاب: وهو لغة: تحويل الشيء عن وجهه.

واصطلاحاً: جعل حرف مكان آخر، أي قلب النون الساكنة والتنوين ميماً قبل الباء، مع مراعاة الإخفاء والغنة.

وللإقلاب حرف واحد، وهو: الباء، ويكون مع النون في كلمة مثل: ﴿أَنۢبِئۡهُم﴾ [البقرة: 33]، وفي كلمتين مثل: ﴿أَنۢ بُورِكَ﴾ [النمل: 8]، ومع التنوين ولا يكون إلا من كلمتين مثل: ﴿سَمِيعُۢ بَصِيرٞ﴾ [الحج: 75].

والسبب في الإقلاب عُسْر الإتيان بالغنة في النون والميم الساكنتين مع الإظهار، ثم إطباق الشفتين لأجل الباء، وعُسْر الإدغام كذلك لاختلاف المخرج وقلة التناسب، فتعيَّن الإخفاء، وتُوصِّل إليه بالقلب ميماً.

وإنما خصت الميم بالقلب دون غيرها من الحروف لمشاركتها الباء مخرجاً، والنون صفة، فللإقلاب ثلاثة أعمال: قلب، وإخفاء، وغنة.

قال صاحب «تحفة الأطفال»:

والثالثُ الإِقْلابُ عِندَ الباءِميماً بِغُنَّةٍ مَعَ الْإِخْفاءِ

الحكم الرابع: الإخفاء: ومعناه لغة: السَّتْر.

واصطلاحاً: النطق بالحرف بصفة بين الإظهار والإدغام عارياً عن التشديد، مع بقاء الغنة في الحرف الأول. وله خمسةَ عشَر حرفاً، وهي الباقية من حروف الهجاء. وقد جمعها صاحب «التحفة» في أوائل كلمات البيت الآتي، فقال:

صِفْ ذَا ثَناَ كَمْ جَادَ شَخْصٌ قَدْ سَمَادُمْ طَيِّباً زِدْ فِي تُقىً ضَعْ ظَالِمَا

فيجب إخفاء النون الساكنة والتنوين بغنة عند هذه الحروف الخمسةَ عشر، وهي: الصاد المهملة، والذال المعجمة، والثاء المثلثة، والكاف، والجيم، والشين المعجمة، والقاف، والسين، والدال، والطاء، المهملات، والزاي والفاء، والتاء المثناة من فوق، والضاد المعجمة، والظاء المشالة.

فإذا وقع حرف من هذه الحروف بعد النون الساكنة سواء أكان متصلاً بها في كلمتها أم منفصلاً عنها، أو بعد التنوين -ولا يكون إلا من كلمتين- وجب إخفاؤهما، ويسمى إخفاء حقيقياً.

وها هي أمثلة النون مع كل حرف منها من كلمة ومن كلمتين، وأمثلة التنوين على ترتيب حروف البيت السابق:

﴿مَنصُورٗا﴾ [الإسراء: 33]، ﴿أَن صَدُّوكُمۡ﴾ [المائدة: 2]، ﴿عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ [التوبة: 102]، ﴿مُنذِرٞۖ﴾ [الرعد: 7]، ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ [آل عمران: 195]، ﴿سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ﴾ [ق: 44]، ﴿مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ﴿مِن ثَمَرَةٖ﴾ [البقرة: 25]، ﴿نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ﴾ [لقمان: 24]، ﴿مِنكُمۡ﴾ [البقرة: 65]، ﴿مَن كَانَ﴾ [البقرة: 97]، ﴿نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ﴾ [العلق: 16]، ﴿أَنجَيۡنَٰكُم﴾ [الأعراف: 141]، ﴿إِن جَآءَكُمۡ﴾ [الحجرات: 6]، ﴿صَبۡرٗا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5]، ﴿ٱلۡمُنشِـُٔونَ﴾ [الواقعة: 72]، ﴿لِمَن شَآءَ﴾ [المدثر: 37]، ﴿غَفُورٞ شَكُورٞ﴾ [فاطر: 30]، ﴿يَنقَلِبُ﴾ [البقرة: 143]، ﴿وَإِن قِيلَ﴾ [النور: 28]، ﴿عَلِيمٗا قَدِيرٗا﴾ [فاطر: 44]، ﴿مِنسَأَتَهُۥۖ﴾ [سبأ: 14]، ﴿مِن سُلَٰلَةٖ﴾ [المؤمنون: 12]، ﴿سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا﴾ [الواقعة: 26]، ﴿أَندَادٗا﴾ [البقرة: 22]، ﴿مِن دَآبَّةٖ﴾ [الأنعام: 38]، ﴿عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ﴾ [الأنبياء: 82]، ﴿يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]، ﴿مِن طَيِّبَٰتِ﴾ [البقرة: 172]، ﴿صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ [النساء: 43]، ﴿أَنزَلۡنَٰهُ﴾ [الأنعام: 92]، ﴿فَإِن زَلَلۡتُم﴾ [البقرة: 209]، ﴿نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ﴾ [الكهف: 74]، ﴿ٱنفِرُواْ﴾ [النساء: 71]، ﴿مِن فَضۡلِهِۦ﴾ [البقرة: 90]، ﴿سُبُلٗا فِجَاجٗا﴾ [نوح: 20]، ﴿مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، ﴿مِن تَحۡتِهَا﴾ [البقرة: 25]، ﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي﴾ [البقرة: 25]، ﴿مَّنضُودٖ﴾ [هود: 82]، ﴿قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ﴾ [سبأ: 50]، ﴿مُّسۡفِرَةٞ ۞ ضَاحِكَةٞ﴾ [عبس: 38، 39]، ﴿ٱنظُرُواْ﴾ [الأنعام: 11]، ﴿مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22]، ﴿ظِلّٗا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57].

ووجه كون الإخفاء حالة بين الإظهار والإدغام أن النون والتنوين لم يَقْرُبا من هذه الحروف كقربهما من حروف الإدغام حتى يجب إدغامهما فيهن، من أجل القرب، ولم يبعدا منها كبعدهما من حروف الإظهار حتى يجب إظهارهما عندهن، من أجل البعد؛ لذلك أعطيا حكماً متوسطاً بين الإظهار والإدغام، وهو الإخفاء.

والفرق بين الإخفاء والإدغام أن الإخفاء لا تشديد معه مطلقاً، بخلاف الإدغام، وأن إخفاء الحرف عند غيره لا في غيره، وإدغام الحرف في غيره لا عند غيره، تقول: أخفيت النون عند السين لا في السين، وأدغمت النون في اللام لا عند اللام، ويسمى هذا النوع من الإخفاء إخفاء حقيقياً؛ لانعدام ذات الحرف المُخْفَى، -وهو النون الساكنة والتنوين- وإبقاء صفته التي هي الغنة.

قال صاحب «التحفة»:

والرابعُ الإخفاءُ عند الفاضلِمن الحروف واجبٌ للفاضلِ
في خمسةٍ من بعدِ عَشْرٍ رمْزُهَافي كِلْمِ هذا البيتِ قدْ ضَمَّنتُهَا
صفْ ذا ثنا كمْ جادَ شخصٌ قدْ سَمَادُمْ طيِّباً زِدْ في تُقىً ضَعْ ظَالِما

المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.