باب التفخيم والترقيق
التفخيم: لغة: التسمين.
واصطلاحاً: عبارة عن سِمَنٍ يدخل على ذات الحرف، أي: صوته، فيمتلئ الفم بصداه.
والتفخيم، والتسمين، والتغليظ بمعنى واحد، لكن المستعمل في اللام التغليظ، وفي الراء التفخيم.
والترقيق: لغة: التنحيف.
واصطلاحاً: عبارة عن نحول يدخل على ذات الحرف فلا يمتلئ الفم بصداه، فيصير في المخرج نحيفاً، وفي الصفة ضعيفاً.
والحروف الهجائية بالنسبة إلى التفخيم والترقيق ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفخَّم قولاً واحداً بدون استثناء شيء منها.
الثاني: ما يرقَّق قولاً واحداً بدون استثناء شيء منها.
الثالث: ما يرقق تارة، ويفخم أخرى؛ لسبب من الأسباب.
الأول: الكلام على الحروف المفخمة قولاً واحداً:
الحروف المفخمة وجهاً واحداً هي حروف الاستعلاء السبعة المتقدمة، المجموعة في قولهم: «خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ»، بدون استثناء شيء منها.
إلا أن التفخيم فيها ليس في مرتبة واحدة، بل يتفاوت ذلك حَسَبما يتصف به الحرف من الصفات القوية والضعيفة، فكلما كان الحرف متصفاً بالصفات القوية كان التفخيم فيه أقوى من الحرف الذي قلَّت فيه صفات القوة.
ولهذا كانت حروف الإطباق الأربعة المتقدمة، والتي هي: «الصاد، والضاد، والطاء، والظاء»، أقوى من باقي حروف الاستعلاء؛ لما اتصفت به من كثرة الصفات القوية.
وإلى ذلك أشار الحافظ ابن الجزري في «مقدمته» بقوله:
مراتب التفخيم:
للتفخيم خمس مراتب، هي:
المرتبة الأولى: في المفتوح الذي بعده ألف، مثل: ﴿طَابَ﴾ [النساء: 3]، ﴿وَضَاقَ﴾ [هود: 77].
المرتبة الثانية: وهي دون الأولى في القوة، وهي: المفتوحة التي ليس بعدها ألف، نحو: ﴿طَبَعَ﴾ [النحل: 108]، و﴿ضَرَبَ﴾ [النحل: 76].
المرتبة الثالثة: وهي دون الثانية في القوة، وهي المضمومة نحو: ﴿وَطُبِعَ﴾ [التوبة: 87]، و﴿صُرِفَتۡ﴾ [الأعراف: 47]، و﴿قُتِلَ﴾ [عبس: 17].
المرتبة الرابعة: وهي الساكنة، نحو ﴿يَطۡبَعُ﴾ [الأعراف: 101]، و﴿أَصۡبَرَهُمۡ﴾ [البقرة: 175].
المرتبة الخامسة: وهي المكسورة، نحو: ﴿طِبَاقٗا﴾ [الملك: 3]، ﴿ضِرَارٗا﴾ [البقرة: 231].
وهكذا في بقية حروف الاستعلاء.
الثاني: الكلام على الحروف المرققة قولاً واحداً:
الحروف المرققة قولاً واحداً هي حروف الاستفال، وهي الحروف الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الاستعلاء السبعة المتقدم ذكرها، باستثناء ألف المد، والراء، واللام من لفظ الجلالة خاصة في بعض الأحوال كما سيأتي.
وحروف الاستفال وإن كان حكمها الترقيق، إلا أنه يكون في بعضها آكد؛ لئلا يسبق اللسان إلى تفخيمه، كالهمزة في نحو: ﴿أَعُوذُ﴾ [الناس: 1]، والهاء من لفظ ﴿ٱهۡدِنَا﴾ [الفاتحة: 6]، ولا يُعْرَف حقيقة ذلك إلا من أفواه الشيوخ الضابطين.
الثالث: الكلام على الحروف المرققة تارة والمفخمة أخرى:
وهذه الأحرف ثلاثة: الألف المدية، واللام من لفظ الجلالة خاصة، والراء.
حكم الألف: أنها تابعة لما قبلها تفخيماً وترقيقاً، فإذا كان الحرف الذي قبلها مفخماً فخمت، مثل: ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30]، ﴿طَالَ﴾ [الأنبياء: 44]، وإذا كان مرققاً رققت، نحو: ﴿نَّاعِمَةٞ﴾ [الغاشية: 8]، ﴿عَالِيَةٖ﴾ [الحاقة: 22].
حكم اللام: تفخم اللام من لفظ الجلالة الواقع بعد فتح، نحو: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 18]، أو ضم نحو: ﴿نَصۡرَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 214].
وترقق إذا وقع لفظ الجلالة بعد كسر، نحو: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ﴾ [الفاتحة: 1]، ﴿بِٱللَّهِ﴾ [البقرة: 8].
قال الحافظ ابن الجزري في «مقدمته»:
حكم الراء: للراء أحكام في حال الوصل تختلف عنها في حال الوقف عليها.
1.إذا كانت موصولة، فإنها ترقق في حالتين:
الأولى: أن تكون مكسورة، سواء أكان الكسر أصلياً، مثل: ﴿رِجَالٞ﴾ [الأعراف: 46]، ﴿وَٱلۡغَٰرِمِينَ﴾ [التوبة: 60]، ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ [الفجر: 1]. أم عارضاً، مثل: ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [إبراهيم: 44]، فالراء المكسورة ترقق مطلقاً بدون قيد أو شرط.
الثانية: أن تكون ساكنة، ولابد في ترقيق الراء الساكنة من شروط أربعة، وهي:
1. أن يكون ما قبل الراء مكسوراً.
2. أن يكون الكسر أصلياً.
3. أن يكون الكسر متصلاً بالراء.
4. أَلَّا يقع بعد الراء حرف استعلاء مفتوح في كلمة واحدة.
فإذا استوفت الراء الساكنة هذه الشروط مجتمعة، وجب ترقيقها، نحو: ﴿شِرۡعَةٗ﴾ [المائدة: 48]، ﴿ٱلۡفِرۡدَوۡسِ﴾ [الكهف: 107].
وتفخم الراء في غير هاتين الحالتين:
فتفخم إذا لم تكن مكسورة بأن كانت مفتوحة، نحو: ﴿رَبَّنَا﴾ [البقرة: 127]، أو مضمومة، مثل: ﴿رُسُلٞ﴾ [آل عمران: 183].
وتفخم كذلك إذا كانت ساكنة ولم تستوف شروط الترقيق المتقدمة، بأن سكنت بعد فتح نحو: ﴿وَبَرۡقٞ﴾ [البقرة: 19]، أو بعد ضم، نحو: ﴿ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ [البقرة: 185]، أو سكنت بعد كسر إلا أنه عارض ابتداءً، نحو: ﴿ٱرۡجِعِيٓ﴾ [الفجر: 28]، أي: في حال الابتداء بهمزة الوصل فقد عرض الكسر للابتداء بهمزة الوصل، أو سكنت كذلك بعد كسر عارض وصلاً، نحو: ﴿أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ﴾ [النور: 50]، أو سكنت بعد كسر أصلي إلا أنه غير متصل بالراء نحو: ﴿ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ﴾ [النور: 55]، فكسرة الذال مع كونها أصلية، إلَّا أنها منفصلة عن الراء، أو سكنت بعد كسر أصلي متصل بالراء إلا أن الراء وقع بعدها حرف استعلاء مفتوح متصل بها في كلمة واحدة، وقد وقع ذلك في خمس كلمات في القرآن الكريم، وهي: ﴿قِرۡطَاسٖ﴾ في [الأنعام: 7]، ﴿وَإِرۡصَادٗا﴾ في [التوبة: 107]، و﴿فِرۡقَةٖ﴾ [التوبة: 122]، و﴿مِرۡصَادٗا﴾ [النبأ: 21]، و﴿لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: 14]، فتفخم الراء الساكنة في كل ذلك؛ لعدم استيفائها شروط الترقيق.
قال الحافظ ابن الجزري في «مقدمته»:
وأما إذا كان حرف الاستعلاء الواقع بعد الراء الساكنة مكسوراً، وذلك في لفظ ﴿فِرۡقٖ﴾ [الشعراء: 63]، فقد اختلفوا في الراء حينئذ، فمنهم من فخَّمها؛ نظراً لوجود حرف الاستعلاء، ومنهم من رققها؛ نظراً لكسره، فالكسر قد أضعف تفخيمها، والترقيق مقدم في الأداء. وإذا كان حرف الاستعلاء الواقع بعد الراء الساكنة منفصلاً عن الراء بأن وقع في كلمة أخرى، وذلك في: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ﴾ [لقمان: 18]، و﴿فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا﴾ [المعارج: 5]، و﴿أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ﴾ [نوح: 1]، فإن الراء ترقق، ولا يلتفت إلى حرف الاستعلاء؛ لعدم اتصاله بالراء.
2.حكم الراء وقفاً:
وإذا وقف على الراء فإنها ترقق في ثلاث حالات:
الأولى: أن يقع قبلها كسر مباشر، نحو: ﴿بَصَآئِرُ﴾ [الأنعام: 104].
الثانية: أن يقع قبلها كسر غير مباشر بأن فصل بينه وبين الراء حرف ساكن مستفل، نحو: ﴿سِحۡرٞ﴾ [المائدة: 110]، ﴿ٱلذِّكۡرُ﴾ [الحجر: 6].
الثالثة: أن يقع قبلها ياء ساكنة، نحو: ﴿قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 20]، ﴿ٱلۡخَيۡرُۖ﴾ [آل عمران: 26].
وتفخم الراء في غير هذه الحالات الثلاث، نحو: ﴿ٱلۡقَمَرَ﴾ [الأنعام: 77]، ﴿ٱلنُّذُرُ﴾ [الأحقاف: 21]، ﴿وَٱلۡفَجۡرِ﴾ [الفجر: 1].
هذا حكم الراء إذا وقف عليها بالسكون المجرد، وكذلك إذا وقف عليها بالإشمام فيما يدخله الإشمام، فإذا وقفت على قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُ﴾ [آل عمران: 26] بالسكون المجرد، أو مع الإشمام، رققت الراء؛ لوقوعها بعد ياء ساكنة.
أما إذا وقفت بالروم فخمت الراء؛ لأنها مضمومة، وقد سبق أن الراء المضمومة تفخم في حال الوصل، فكذلك تفخم في حال الوقف عليها بالروم؛ لأنه كالوصل.
تنبيه: كلمات اختلف في حكم رائها وقفاً:
إذا وقفت على راء ﴿مِّصۡرَ﴾ غير المنون حيث وقع، أو راء ﴿ٱلۡقِطۡرِۖ﴾ [سبأ: 12]، ففي الراء وجهان:
الترقيق والتفخيم، فمن رقَّق نظر إلى الكسر ولم يعتبر الساكن الفاصل بين الكسر والراء، ومن فخَّم اعتبر هذا الساكن، وعده حاجزاً حصيناً بين الكسرة والراء؛ لكونه حرف استعلاء، والمختار في ﴿مِّصۡرَ﴾، التفخيم، وفي ﴿ٱلۡقِطۡرِۖ﴾ الترقيق؛ نظراً للوصل، وعملاً بأصل حركة كلٍّ منهما، وهذا ما اختاره الحافظ ابن الجزري، وفي ذلك يقول العلامة المتولِّي في «مقدمة ورش»:
وفي كلمة ﴿يَسۡرِ﴾ [الفجر: 4] وكذا ﴿فَأَسۡرِ﴾ و﴿أَنۡ أَسۡرِ﴾ حيث وقعتا، ﴿وَنُذُرِ﴾ في مواضعه الستة في القمر [16، 18، 21، 30، 37، 39]، وجهان وقفاً كذلك.
والمختار الترقيق للفرق بين كسرة الإعراب وكسرة البناء، أي: لأنه يدلُّ على أصل حركة الراء، وفرقٌ بين ما أصله الترقيق وما عَرَض له، كما أنه يدلُّ على الياء المحذوفة.
وإلى هذا أشار السمنودي في «التحفة السمنودية» بقوله:
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.