باب الإدغام وأقسامه
الإدغام في اللغة له عدَّة معانٍ، والمراد منه هنا الإدخال، يقال: أدغمت الشيء في الشيء، أي: أدخلته فيه.
واصطلاحاً: النطق بالحرفين؛ حرفاً كالثاني مشدداً.
والإدغام لغةٌ من لغات العرب التي نطقت بها، وفائدته: الخفة واليسر في النطق؛ إذ النطق بحرف واحد أيسر على اللافظ من النطق بحرفين.
وكيفيته: أن تجعل الحرف الأول (وهو المدغَم) في المتقاربين والمتجانسين من جنس الحرف الثاني (وهو المدغم فيه)، فلو قرأت قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ﴾ [طه: 114]، ستقلب اللام راء ثم تدغمها في الراء التي تليها، بحيث تنطق براء واحدة مشددةٍ، ولو قرأت قوله سبحانه: ﴿قَد تَّبَيَّنَ﴾ [البقرة: 256]، ستقلب الدال تاء، ثم تدغمها في التاء التي تليها؛ بحيث تنطق بتاء واحدة مشدَّدة أيضاً.
أما في إدغام المتماثلين فكيفيته تتم بعمل واحد، وهو إدغام الحرف الأول في الثاني، نحو قوله تعالى: ﴿ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ﴾ [البقرة: 60] ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ﴾ [البقرة: 16].
والإدغام نوعان: أحدهما: الكبير. والثاني: الصغير.
النوع الأول: الإدغام الكبير:
وهو إدغام حرف متحرك في آخر متحرك، نحو إدغام النون في النون في قوله تعالى: ﴿لَا تَأۡمَ۬نَّا﴾ [يوسف: 11]، بالإدغام مع الإشمام.
النوع الثاني: الإدغام الصغير:
وهو إدغام حرف ساكن في آخر متحرك، نحو: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٞ﴾ [آل عمران: 69]، و﴿فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ﴾ [الإسراء: 33].
وسمي صغيراً لكونه إدغام حرف ساكن في متحرك، فالعمل فيه أقلُّ بالنسبة إلى الإدغام الكبير، الذي يقع فيه الإدغام بين متحركين. وسمي الإدغام الكبير بذلك؛ لأن العمل فيه أكثر؛ إذ يحتاج إلى تسكين ثم إدغام.
أسباب الإدغام:
للإدغام أسباب ثلاثة، هي: التماثل، والتقارب، والتجانس بين الحرفين المتجاورين المراد إدغامهما.
وفيما يلي توضيح لهذه الأسباب، وبيان ما يندرج تحت كلٍّ منها.
إدغام المتماثلين:
المتماثلان: هما الحرفان المتحدان اسماً ورسماً، المتفقان مخرجاً وصفة، سواء كانا في كلمة، نحو الكافين في قوله تعالى: ﴿يُدۡرِككُّمُ﴾ [النساء: 78]، والهاءَين في قوله: ﴿يُوَجِّههُّ﴾ [النحل: 76]، أو كانا في كلمتين، نحو الميمين في: ﴿عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا﴾ [التوبة: 84]، والذالين في: ﴿إِذ ذَّهَبَ﴾ [الأنبياء: 87]، وحكمه الإدغام وجوباً.
فإن كان إدغام المثلين بين حرفي الميم وحرفي النون، نحو قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ﴾ [البقرة: 249]، وقوله: ﴿إِن نَّشَأۡ﴾ [الشعراء: 4]، وجب مع الإدغام الإتيان بالغنة، ويسمّى إدغام مثلين صغيراً مع الغنة.
وشرط إدغام الحرفين المتماثلين ألَّا يكون أولهما حرف مدّ، كالواوين في نحو قوله تعالى: ﴿ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: 200]، وكالياءين في نحو: ﴿ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ﴾ [الناس: 5]، فهذا حكمه الإظهار؛ لئلا يذهب المد بسبب الإدغام، فيُظهر محافظة على المد.
أما إذا سكنت الواو الأولى وانفتح ما قبلها فإنها تدغم في المتحركة بعدها، كقوله تعالى: ﴿ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 93]؛ لأن حرف اللين بمنزلة الصحيح.
وأما إن كان أول المثلين هاء سكت -ولم يقع في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿مَالِيَهۡۜ ۞ هَلَكَ﴾ في [الحاقة: 28، 29]- ففيه وجهان:
1.الإدغام؛ إجراء لقاعدة أن أول المثلين ساكن، وليس حرفَ مدٍّ.
2.الإظهار مع السكت، وهو المقدم أداء.
وضبط هذا الموضع في مصحف المدينة النبوية على وجه الإظهار مع السكت؛ وذلك بوضع علامة السكون على الهاء الأولى، مع تجريد الهاء الثانية من علامة التشديد؛ للدلالة على الإظهار، ووضعت سين صغيرة على هاء ﴿مَالِيَهۡۜ﴾؛ للدلالة على السكت.
وهذان الوجهان -الإظهار والإدغام- يجريان حال وصل ﴿مَالِيَهۡۜ﴾ بـ ﴿هَلَكَ﴾، أما حالة الوقف فلا خلاف في إثبات هاء السكت.
قال الشيخ الجمزوري في «كنز المعاني»:
وقال الشيخ إبراهيم السمنودي في «لآلئ البيان»:
إدغام المتقاربين:
المتقاربان: هما الحرفان اللذان تقاربا مخرجاً وصفة، أو مخرجاً فقط، أو صفة فقط.
فالتقارب ثلاثة أقسام:
1.تقارب في المخرج والصفة، نحو: ﴿قُل رَّبِّ﴾ [المؤمنون: 93]، فبين اللام والراء تقارب في المخرج، وتقارب في الصفة؛ لاتفاقهما في أكثر الصفات.
2.تقارب في المخرج فقط، نحو: ﴿قَدۡ سَمِعَ﴾ [المجادلة: 1]، فبين الدال والسين تقارب في المخرج، ولا تقارب بينهما في الصفات؛ لاختلافهما في أكثر الصفات.
3.تقارب في الصفة فقط، نحو: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم﴾ [الأحزاب: 10]، فالذال والجيم متقاربان صفة؛ لاتفاقهما في أغلب الصفات، ولا تقارب بينهما في المخرج.
والذي يخص حفصاً من هذه الأقسام هو القسم الأول الذي تقارب فيه الحرفان مخرجاً وصفة، وحكمه الإظهار، نحو: ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: 48]، ما عدا اللام فإنها تدغم في الراء، نحو: ﴿قُل رَّبِّ﴾، وما عدا القاف فإنها تدغم في الكاف وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم﴾ في سورة المرسلات [20]، غير أن أهل الأداء اختلفوا في الإدغام في هذا الموضع، فمنهم من أدغمه إدغاماً كاملاً، فيصير النطق، كافاً مشددة، ومنهم من أدغمه إدغاماً ناقصاً، وذلك بإبقاء صفة الاستعلاء، والإدغام الكامل هو الأصح.
إدغام المتجانسين:
المتجانسان: هما الحرفان اللذان اتفقا في المخرج، واختلفا في الصفة، كالدال مع التاء في نحو: ﴿أَرَدتُّمُ﴾ [النساء: 20]، والذال مع الظاء، نحو: ﴿إِذ ظَّلَمُوٓاْ﴾ [النساء: 64]، والثاء مع الذال في قوله تعالى: ﴿يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ﴾ [الأعراف: 176]، والباء مع الميم في قوله تعالى: ﴿ٱرۡكَب مَّعَنَا﴾ [هود: 42]، والتاء مع الدال، نحو: ﴿أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89]، ومع الطاء نحو: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ﴾ [آل عمران: 72]، وحكم هذا النوع الإدغام وجوباً لحفص في المواضع السالفة الذكر، والإظهار فيما عدا ذلك.
وتدغم الطاء في التاء إدغاماً ناقصاً، وذلك بإبقاء صفة الإطباق نحو: ﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: 28].
وقد نظم ما سبق الشيخ سليمان الجمزوري في «تحفته» بقوله:
موانع الإدغام:
يمتنع الإدغام في حالتين:
1.إذا كان الحرف المدغَم حرفَ مدٍّ، كالواو نحو: ﴿قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ﴾ [يوسف: 71] أو كالياء، نحو: ﴿فِي يَوۡمٖ﴾ [إبراهيم: 18]؛ وذلك لئلا يزول المد بالإدغام كما سبق في شروط إدغام المتماثلين.
2.إذا تحرك الحرف الأول وسكن الثاني، نحو: ﴿شَقَقۡنَا﴾ [عبس: 26]، و﴿يُمۡدِدۡكُمۡ﴾ [آل عمران: 125]، ويسمَّى متماثلين مطلقاً، وكذا ﴿يَلۡتَقِطۡهُ﴾ [يوسف: 10] ويسمى متقاربين مطلقاً، و﴿أَفَتَطۡمَعُونَ﴾ [البقرة: 75] ويسمى متجانسين مطلقاً؛ لأنه ليس من نوع الكبير ولا الصغير في الأنواع الثلاثة، ولا يترتب عليه حكم عملي.
ويلتحق بموانع الإدغام إذا التقى الحرفان في اللفظ لا في رسم المصحف، نحو: ﴿أَنَا۠ نَذِيرٞ﴾ [العنكبوت: 50]، وهذا عند من مذهبه الإدغام الكبير من القراء؛ لأن شرط الإدغام الكبير أن يلتقي المدغم بالمدغم فيه خطاً.
وقد سبق الحديث عن حكم إدغام النون والميم الساكنتين في بابيهما، كما تقدم الكلام على حكم إدغام لام التعريف، ولام الفعل، ولام الحرف في باب اللامات السواكن.
الإدغام الكامل والناقص:
ينقسم الإدغام من حيث الكمال والنقصان إلى كامل وناقص، وفيما يلي توضيح لكلا القسمين:
الإدغام الكامل:
هو ما ذهب معه لفظ المدغم ذاتاً وصفة بإدغامه في تاليه؛ بحيث يصيران حرفاً واحداً مشدَّداً تشديداً كاملاً، لا يبقى للحرف المدغم أثر ظاهر في النطق، نحو قوله تعالى: ﴿أَرَدتُّمۡ﴾ [البقرة: 233]، و﴿فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ﴾ [الصف: 14]، و﴿ٱلرَّٰكِعُونَ﴾ [التوبة: 112].
وسمي كاملاً لاستكمال التشديد فيه، ولعدم وجود أثر للحرف المدغم، ويسمّى كذلك إدغاماً محضاً، وتاماً، وخالصاً.
الإدغام الناقص:
هو ما ذهب معه لفظ المدغم ذاتاً لا صفة بإدغامه في تاليه، بحيث يصيران حرفاً واحداً مشدداً تشديداً ناقصاً؛ من أجل بقاء صفة المدغم، نحو قوله تعالى: ﴿أَحَطتُ﴾ [النمل: 22]، و﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: 28]، و﴿أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم﴾ [المرسلات: 20].
وسمي ناقصاً لأنه غير مستكمل التشديد؛ لبقاء صفة الحرف المدغم، وهي الإطباق في ﴿أَحَطتُ﴾ و﴿بَسَطتَ﴾، والاستعلاء في ﴿نَخۡلُقكُّم﴾ على أحد الوجهين في الأخير. قال الشيخ السمنودي في «لآلئ البيان»:
والإدغام الكامل في ﴿نَخۡلُقكُّم﴾ هو المختار عند جمهور القراء، قال ابن الجزري في «المقدمة»:
وقال الشيخ السمنودي في «لآلئ البيان» أيضاً:
تنبيه: سبق ذكر كلمة ﴿تَأۡمَ۬نَّا﴾ بيوسف [11] في نوع الإدغام الكبير، وهي فعل مضارع مرفوع، أصله بنونين أولاهما مضمومة، والثانية مفتوحة، وهي مرسومة في المصاحف بنون واحدة.
وفيها لجمهور القراء وجهان:
الأول: إدغام النون الأولى في الثانية مع الإشمام: وهو ضم الشفتين كمن يريد النطق بالضمة إشارة إلى أن الحركة المحذوفة ضمة، وهو مقارن لسكون الحرف المدغم.
الثاني: الإخفاء، أو الاختلاس، ويلزم منه فكّ إدغام النونين، والمراد به: النطق بثلثي الحركة المضمومة -وهي النون الأولى- فالباقي من الضمة أكثر من الذاهب، وهذا الوجه هو المقدم في الأداء.
وهذان الوجهان لا يُحكمان إلا بالمشافهة والتلقِّي عن الأشياخ الأثبات.
وقد ضبطت الكلمة في المصحف ضبطاً صالحاً لكلا الوجهين المذكورين.
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.