باب المد والقصر
تعريف المد والقصر:
المد لغة: الزيادة والمط.
واصطلاحاً: إطالة الصوت بحرف المد أو اللين عند وجود همز، أو سكون بمقدار معلوم.
والقصر لغة: الحَبْس.
واصطلاحاً: إثبات حرف المد من غير زيادة عليه، وهو ما يعبَّر عنه بالمد الطبيعي.
حروف المدِّ:
للمد ثلاثة أحرف، هي:
1.الألف، ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، مثل ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30].
2.الواو الساكنة المضموم ما قبلها، نحو: ﴿يَقُولُ﴾ [البقرة: 8].
3.الياء الساكنة المكسور ما قبلها، نحو: ﴿قِيلَ﴾ [البقرة: 11].
وتجمع هذه الأحرف في كلمة «نُوحِيهَا»، وتسمَّى حروفَ مدٍّ ولين.
أما إذا كانت الواو والياء ساكنتين مفتوحاً ما قبلهما، نحو: ﴿خَوۡفٌ﴾ [البقرة: 38] و﴿ٱلۡبَيۡتَ﴾ [البقرة: 125]، فيسميان حرفي لين.
وقد أشار الشيخ الجمزوري في «التحفة» إلى حروف المد واللين، وشروط كلٍّ بقوله:
أقسام المد:
ينقسم المد إلى قسمين: مد أصلي، ومد فرعي.
القسم الأول: المد الأصلي:
وهو الذي لا تقوم ذات حرف المد إلا به، ولا يتوقف مده على سبب من همز أو سكون.
ويسمَّى أصلياً؛ لأصالته وثبوته على حالة واحدة، ولأنه ليس فرعاً عن غيره، ويسمَّى طبيعياً؛ لأن صاحب الطبيعة السليمة لا يزيد بفطرته في مده، ولا ينقصه عن قَدْره.
ومقدار مده حركتان وصلاً ووقفاً، وتقدر الحركة بمقدار قبض الإصبع أو بسطه، نحو: ﴿قَالُوٓاْ﴾ [البقرة: 11]، و﴿ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: 9]، و﴿ٱلَّذِي﴾ [البقرة: 17].
وقد أشار الشيخ الجمزوري إلى هذا القسم بقوله في «التحفة»:
القسم الثاني: المد الفرعي:
وهو إطالة الصوت بحرف من حروف المد؛ بسبب وقوع همز أو سكون بعده.
وسمي فرعياً؛ لتفرعه عن المد الأصلي، ولتوقفه على سبب.
وللمد الفرعي سببان في زيادته عن مقدار المد الأصلي، هما: الهمز، والسكون.
أنواع المد الفرعي:
ينقسم المد الفرعي إلى خمسة أقسام، ثلاثة منها تكون زيادة المد فيها بسبب الهمز، وهي: المد المتصل، والمد المنفصل، ومد البدل.
واثنان تكون زيادة المد فيهما بسبب السكون، وهما: المد اللازم، والمد العارض للسكون.
وفيما يلي توضيح لكل نوع من الأنواع الخمسة.
المد المتصل:
وهو أن يقع الهمز بعد حرف المد واللين في كلمة واحدة، نحو: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ [البقرة: 5]، و﴿هَنِيٓـٔٗا﴾ [النساء: 4]، و﴿ٱلسُّوٓأَىٰٓ﴾ [الروم: 10].
ومقدار مده أربع حركات أو خمس وجوباً، ولا يجوز قصره بحال من الأحوال.
قال ابن الجزري في «المقدمة»:
وقال: «وقد تتبعته (أي: قصر المتصل) فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة، بل رأيت النصَّ بمدِّه».
المد المنفصل:
وهو أن يقع الهمز بعد حرف المد واللين في كلمة منفصلة عنه؛ وذلك بأن يكون حرف المد واللين في آخر كلمة، والهمزة أول الكلمة الثانية، سواء كان الانفصال حقيقياً، نحو: ﴿بِمَآ أُنزِلَ﴾ [البقرة: 4] و﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ [التحريم: 6] و﴿أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [غافر: 44].
أم كان الانفصال حكمياً -وهو ما كان حرف المد واللين فيه محذوفاً في الرسم ثابتاً في اللفظ-، نحو: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 21]، و ﴿هَٰٓأَنتُمۡ﴾ [آل عمران: 66]، و﴿لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ [البلد: 7]، و﴿فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 26].
ومقدار مده أربع حركات أو خمس حركات جوازاً.
قال الشيخ الجمزوري في «تحفته»:
مد البدل:
وهو أن يتقدم الهمز على حرف المد، نحو ﴿ءَادَمَ﴾ [البقرة: 31]، و﴿إِيمَٰنٗا﴾ [آل عمران: 173]، و﴿أُوتُواْ﴾ [البقرة: 101].
وسمى بدلاً لإبدال حرف المد من الهمز؛ إذ أصل هذه الكلمات «أَأْدم»، «إِئْماناً»، «أُؤْتوا»، بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، فأبدلت الساكنة حرف مدٍّ من جنس حركة ما قبلها، ومقدار مده حركتان وقفاً ووصلاً، بشرط ألَّا يقع بعده همز أو سكون أصلي، نحو قوله تعالى: ﴿بُرَءَٰٓؤُاْ﴾ [الممتحنة: 4]، و﴿رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ﴾ [هود: 70]، و﴿ءَآمِّينَ﴾ [المائدة: 2]، فإن وقع بعده همز أو سكون أصلي كالأمثلة المذكورة، تعيَّن فيه المدُّ عملاً بأقوى سببي المد.
قال الشيخ الجمزوري في «تحفته»:
المد اللازم:
وهو أن يقع سكون أصلي وصلاً ووقفاً بعد حرف المد واللين، أو بعد حرف اللين في كلمة، أو في حرف، نحو: ﴿وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، و﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ [يونس: 91]، و﴿قٓۚ﴾ [ق: 1]، و(عين) من هجاء ﴿كٓهيعٓصٓ﴾ فاتحة مريم، ومن هجاء ﴿حمٓ ۞ عٓسٓقٓ﴾ فاتحة الشورى، على أحد الوجهين.
وسُمِّي لازماً للزوم سببه في حالتي الوصل والوقف، أو للزوم مده عند كل القراء مدّاً متساوياً.
ومقدار مده ستُّ حركات.
قال الحافظ ابن الجزري في «المقدمة»:
أقسام المد اللازم:
ينقسم المد اللازم إلى قسمين إجماليين:
أولاً: المد اللازم الكلمي.
ثانياً: المد اللازم الحَرْفي.
وكل منهما ينقسم إلى مخفف ومثقل، فجملة أقسامه أربعة، أشار إليها الشيخ الجمزوري في «التحفة» بقوله:
القسم الأول: المد اللازم الكلمي المخفَّف:
وضابطه أن يقع بعد حرف المد واللين سكون أصلي مخفف في كلمة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ في موضعي سورة يونس [51، 91]، على وجه إبدال همزة الوصل ألفاً.
القسم الثاني: المد اللازم الكلمي المثقَّل:
وضابطه أن يقع بعد حرف المد واللين سكون أصلي مثقل في كلمة، نحو قوله تعالى: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ﴾ [الأنعام: 80].
القسم الثالث: المد اللازم الحرفي المخفَّف:
وضابطه أن يقع بعد حرف المد واللين أو بعد حرف اللين وحده سكون مخفف، ويشترط في هذا الحرف أن يكون هجاؤه على ثلاثة أحرف ثانيها حرف مد ولين، وثالثها ساكن سكوناً أصلياً، نحو: ﴿صٓۚ﴾ [ص: 1]، و﴿قٓۚ﴾ [ق: 1]. ومثال السكون الواقع بعد حرف لين وحده، هو «عين» من فاتحة سورتي مريم والشورى، على وجه الإشباع في مد «العين».
القسم الرابع: المد اللازم الحرفي المثقَّل:
وضابطه أن يقع بعد حرف المد واللين سكون أصلي مشدد في حرف، ويشترط في هذا الحرف ما تقدم في الحرفي المخفف، مثاله اللام من: ﴿الٓمٓ﴾ [البقرة: 1].
وقد أشار الشيخ الجمزوري إلى ضابط كل قسم من هذه الأقسام بقوله في «التحفة»:
المد العارض للسكون:
هو المد الذي ينشأ بسبب الوقف بعد أحد حروف المد واللين، أو بعد حرفي اللين، نحو: ﴿ٱلۡمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]، و﴿ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، و﴿تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 22]، و﴿خَوۡفٌ﴾ [البقرة: 38]، و﴿ٱلۡبَيۡتَ﴾ [البقرة: 125].
وسمي عارضاً للسكون؛ لأن السكون عرض له من أجل الوقف. ومقدار مده حركتان، وأربع، وست.
قال الحافظ ابن الجزري في «مقدمته»:
ويوقف على هذا النوع من المد بالسكون المحض، وبالرَّوم، وبالإشمام فيما يجوزان فيه.
وسيأتي -إن شاء الله- توضيح هذه الأنواع من الوقوف في باب كيفية الوقف على أواخر الكلام.
المد في فواتح السور:
افتتحت تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم بأربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء، وتنقسم هذه الحروف من حيث المدُّ وعدمه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما ليس فيه مد: وهو حرف الألف، نحو (ألف) من فاتحة سورة البقرة: ﴿الٓمٓ﴾، ولم يمدَّ؛ لأنه ليس في هجاءِ نطقه حرف مد.
قال الشاطبي في «الشاطبية»:
القسم الثاني: ما يمد مدّاً طبيعياً: وهو خمسة أحرف مجموعة في قول: (حيٌّ طَهُر)، وتمدُّ مداً طبيعياً؛ لأن هجاءها ليس فيه همز ولا سكون، فيُنْطَق بها هكذا: حا، يا، طا، ها، را.
القسم الثالث: ما يمد مدّاً لازماً: وهو ثمانية أحرف مجموعة في قول الشيخ الجمزوري: (كم عسل نقص)، وهذه الحروف تمد ست حركات، إلا حرف العين في فاتحة سورتي مريم والشورى، فيجوز فيه الإشباع، والتوسط، والإشباع هو المقدم في الأداء.
قال الشاطبي في «الشاطبية»:
وقد جمع الشيخ الجمزوري هذه الأقسام بقوله في «التحفة»:
مراتب المدود:
تأتي أنواع المد الفرعي على مراتب خمس من حيث القوة والضعف، وهي:
1. المد اللازم
2. المد المتصل
3. المد العارض
4. المد المنفصل
5. مدّ البدل
وقد جمعها الشيخ السمنودي في «لآلئ البيان» بقوله:
ويُعْمل بقاعدة اجتماع الأقوى والأضعف من المدود إذا اجتمع سببان للمد في كلمة واحدة، بحيث يتنازع حرفَ المد سببٌ قبله وسبَبٌ بعده، وكان أحد المَدَّين أضعف من الآخر، فيلغى المد الأضعف، ويعمل بالأقوى. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ءَآمِّينَ﴾ [المائدة: 2]، فقد اجتمع فيه مدان، الأول البدل، والثاني المد اللازم، وهو أقوى من البدل، فيعمل بالمد اللازم، فتمد الكلمة ست حركات، ويلغى مد البدل.
قال الشيخ السمنودي في «لآلئ البيان»:
تنبيه: إذا تغيَّر سبب المد اللازم جاز المد والقصر، وذلك في قوله تعالى: ﴿الٓمٓ ۞ ٱللَّهُ﴾ أول سورة آل عمران [1، 2] في حال وصل ﴿الٓمٓ﴾ بلفظ الجلالة، فإن الميم من لفظ ﴿الٓمٓ﴾ تُحرك بالفتح؛ لاجتماعها ساكنة مع لام الجلالة، ومن المعلوم أن همزة الوصل لا ينطق بها وصلاً، فمن أشبع نظر إلى الأصل، وهو سكون الميم ولم يعتدَّ بالحركة؛ لأنها عرضت للتخلص من التقاء الساكنين، ومن قصر نظر إلى الحركة العارضة. وكان التخلص من التقاء الساكنين هنا بالفتح دون الكسر؛ لتفخيم لفظ الجلالة، ولأن الفتح أخفُّ الحركات، ولكراهة توالي ثلاثة متجانسات، وهي: كسرة الميم الأولى، والياء التي هي أخت الكسرة، وكسرة الميم الأخيرة.
أما إذا وقف القارئ على ﴿الٓمٓ﴾، فلا بدَّ من الإشباع كما تقدم.
قال الشيخ الجمزوري في «كنز المعاني»:
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.