الوقف والابتداء
هذا الباب من المباحث المهمة في تلاوة الكتاب العزيز، ويشرع ويتعيَّن على قارئ القرآن تحصيل ما يهديه إلى الوقف السليم، ويرشده إلى الابتداء المستقيم.
وقد تواتر اعتناء السلف به، قال ابن الجزري : «ومن ثُمَّ اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز ألَّا يجيز أحداً إلا بعد معرفته الوقف والابتداء، وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف، ويشيرون إلينا فيه بالأصابع، سُنَّة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين، رحمة الله عليهم أجمعين».
وقبل البدء بذكر أقسام الوقف والابتداء، نقدِّم تعريفاً لكلٍّ من الوقف والابتداء والقطع والسكت؛ ليظهر الفرق بين هذه الاصطلاحات.
الوقف لغة: الكفُّ والحَبْس.
واصطلاحاً: قطع الصوت على آخر الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بِنِيَّةِ استئناف القراءة، لا بِنِيَّةِ الإعراض عنها.
ويكون الوقف على رؤوس الآيات وأواسطها، ولا يكون في وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسماً، كالوقف على «أن» من قوله تعالى: ﴿أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ﴾ [القيامة: 3].
والابتداء: هو الشروع في القراءة بعد قَطْع أو وقف.
والقَطْع لغة: الإبانة والإزالة.
واصطلاحاً: قطع القراءة والانتهاء منها.
مثالُه كمن يقطع القراءة على نهاية الحزب، أو في ركعة ثم يركع؛ مما يُؤْذن بانتهاء القراءة، والانتقال إلى حالة أخرى.
ولا يكون القطع إلا على رؤوس الآي؛ لأن فواصل الآيات مقاطع، بخلاف الوقف؛ إذ قد يكون على رأس الآية أو في وسطها.
والسكت لغة: المنع.
واصطلاحاً: قطع الصوت زمناً دون زمن الوقف من غير تنفس، بنية العودة إلى القراءة في الحال.
ويكون السكت في وسط الكلمة، وفي آخرها، وعند الوصل بين السورتين.
ويقرأ لحفص بالسكت في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وهي:
1.السكت على الألف المبدلة من التنوين في كلمة ﴿عِوَجَاۜ﴾ بالكهف [1]، حال وصلها بكلمة ﴿قَيِّمٗا﴾، ولكن لو وقف على رأس الآية فحسن.
2.السكت على ألف ﴿مَّرۡقَدِنَاۜ﴾ في يس [52] حال وصلها بما بعدها.
3.السكت على نون ﴿مَنۡۜ﴾ من قوله تعالى: ﴿مَنۡۜ رَاقٖ﴾ في القيامة [27].
4.السكت على لام ﴿بَلۡۜ﴾ من قوله تعالى: ﴿بَلۡۜ رَانَ﴾ في المطففين [14].
قال الشاطبي في «الشاطبية»:
وسبق الكلام -في باب الإدغام- على السكت على هاء ﴿مَالِيَهۡۜ﴾ في الحاقة [28]، وذلك على وجه الإظهار.
أنواع الوقف:
للعلماء في تعيين أنواع الوقوف مذاهب شتى، لكن أقربها إلى الضبط والحصر تقسيم الوقوف إلى ثلاثة أَقسام، وهي:
الوقف الاختياري -بالياء التحتية-، والوقف الاختباري -بالباء الموحدة-، والوقف الاضطراري.
وفيما يلي توضيح لكل نوع من هذه الأنواع، وما يشتمل عليه.
النوع الأول: الوقف الاختياري:
هو الوقف الذي يقصده القارئ بمحض اختياره، وهذا النوع هو المقصود من إيراد الوقف؛ لأن القارئ لا يمكن أن يقرأ السورة أو القصة في نَفَس واحد؛ لذا ينبغي اختيار وقف مناسب للتنفس والاستراحة، وتحتَّم ألا يكون مما يخلُّ بالمعنى، أو يخلُّ بالفهم.
وينقسم هذا النوع إلى أربعة أقسام على المختار، وهي: الوقف التام، والوقف الكافي، والوقف الحسن، والوقف القبيح. وفيما يلي إيضاح لهذه الأقسام الأربعة:
الوقف التام:
هو الوقف الذي تمَّ معناه، ولم يتعلق بما بعده لا لفظاً ولا معنى. وسمي تاماً؛ لتمامه المطلق، وانقطاعه عما بعده من حيث اللفظ والمعنى.
وأكثر ما يكون في رؤوس الآي، وانقضاء القِصص، نحو الوقف على ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] والابتداء ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة: 6]، أو الوقف على ﴿لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ﴾ [الفرقان: 29] وهو تمام حكاية قول الظالم، ثم الابتداء ﴿وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا﴾، أو الوقف على ﴿وَبِٱلَّيۡلِۚ﴾ [الصافات: 138] ثم البدء بـ ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾.
وحكمه: أنه يحسن الوقف عليه، ويحسن الابتداء بما بعده.
الوقف الكافي:
هو الوقف على كلام أدَّى معنى صحيحاً، وتعلَّق بما بعده معنى لا لفظاً، وسمي كافياً؛ للاكتفاء به، واستغنائه عما بعده إعراباً، فتعلقه بما بعده معنوي لا لفظي، وهو أكثر الوقوف الجائزة في القرآن وقوعاً.
ويكون في رؤوس الآي وفي أثنائها، نحو الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]، وعلى قوله: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ﴾ [النساء: 99].
وحكمه: أنه يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده كالوقف التام.
الوقف الحسن:
هو الوقف الذي تم معناه في ذاته، وتعلَّق بما بعده لفظاً ومعنى. وسمي حسناً؛ لأنه أفهم معنى يحسن السكوت عليه في ذاته.
ويكون في رؤوس الآيات، وفي أثنائها، نحو الوقف على قوله تعالى: ﴿ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، وقوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾ [هود: 54]، وكالوقف على ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ﴾ [الفاتحة: 1]، و﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2].
وحكمه: أنه يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، إلا إذا كان رأس آية فإنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده؛ لأن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً، سواء تعلقت بما بعدها أم لا.
وهذا ما رجَّحه جماعة من أهل العلم كالحَلِيمي، والبيهقي، والداني، وابن الجزري.
الوقف القبيح:
هو الوقف على ما لم يتم معناه؛ لتعلقه بما بعده لفظاً ومعنى، مع عدم الفائدة، أو أفاد معنى غير مقصود، أو أوهم فساد المعنى.
وسمي قبيحاً؛ لقبح الوقف عليه؛ إذ لم يؤدِّ معنى في ذاته يصح الوقف عليه.
نحو الوقف على ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾ من ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2]، ونحو الوقف على ﴿لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ من قوله تعالى: ﴿لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: 43]، وعلى ﴿ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ من قوله تعالى: ﴿يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الإنسان: 31]؛ لفساد المعنى بالوقف عليه.
وحكمه: أنه لا يجوز تعمُّد الوقف عليه إلا لضرورة من ضيق نَفَس، أو عُطاس ونحوهما، ولا يجوز الابتداء بما بعده؛ لتوقفه على ما قبله.
وقد أشار الحافظ ابن الجزري إلى أنواع الوقف السالفة بقوله في «المقدمة»:
النوع الثاني: الوقف الاختباري:
هو الوقف الذي يكون عند سؤال مختَبِرٍ أو تعليم معلِّم.
ومتعلَّق هذا الوقف الرسم العثماني؛ كمعرفة المقطوع من الموصول، والمربوط والمفتوح من التاءات؛ لاختبار الطالب أو تعليمه كيفية الوقف على هذه الكلمات، وموضع الوقف منها، نحو طلب الوقوف على كلمة ﴿وَلَيَكُونٗا﴾ من ﴿وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، أو على ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ﴾ [الحشر: 7]، أو على ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ [الأعراف: 56].
وحكمه: جواز الوقف عليه عند السؤال أو التعليم؛ لبيان موافقة الوقف للرسم العثماني.
النوع الثالث: الوقف الاضطراري:
هو الوقف الذي يعرض للقارئ بسبب ضرورة ألجأته إليه، كضيق نَفَس، أو عُطاس، أو سُعال، أو نسيان.
وحكمه: جواز الوقف عليه للضرورة، على أي كلمة كانت وإن لم يتمَّ المعنى، وبعد انقضاء الضرورة المُلْجئة يبتدئ بالكلمة التي وقف عليها إن كان يصلح البدء بها، وإلَّا يبدأ بما قبلها حيث يصلح البدء.
أنواع الابتداء:
لا يكون الابتداء إلا اختيارياً؛ لأنه ليس كالوقف الذي قد تدعو إليه الضرورة، وحينئذ فلا يجوز الابتداء إلا بكلام مستقل في المعنى مُوف بالمقصود، فلا يبتدأ بالمعمول دون عامله، نحو الفاعل دون فعله، ولا بالخبر دون المبتدأ.
وأقسام الابتداء كأقسام الوقف الأربعة السابقة، وفيما يلي توضيح لها:
1.الابتداء التام: هو الابتداء بما ليس له علاقة بما قبله لفظاً أو معنى، كالابتداء بأول السورة وأول القصة، وكالبدء بعد الوقف اللازم، أو الوقف التام، نحو: ﴿وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 36]، و﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ﴾ [الأعراف: 184].
2.الابتداء الكافي: هو البدء بما تعلَّق بما قبله معنى لا لفظاً، كالبدء بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ﴾ [البقرة: 25]، وقوله: ﴿قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ﴾ [البقرة: 93].
3.الابتداء الحسن: هو الابتداء بمعنى حَسَنٍ له علاقة بما قبله، كالبدء بقوله تعالى: ﴿فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
4.الابتداء القبيح: هو الابتداء بما يفسد المعنى؛ لشدة تعلقه بما قبله لفظاً ومعنى، فكلُّ بَدْء يُغيِّر المعنى، أو يفسده، أو لا يعطي فائدة في المعنى فهو قبيح، نحو البدء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ﴾ [آل عمران: 181]، وقولِه: ﴿ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ﴾ [التوبة: 30]، وقولِه: ﴿مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ﴾ [إبراهيم: 34].
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.