بيّن.

منصّة العبادة الذكية والرفيق الوكيل

bayyin.org — بُني على مصادرَ موثّقة ومعتمدة

فهرس الدروس
درس 20

باب الوقف على أواخر الكلم

تقدَّم الكلام في الباب السابق على ما يوقف عليه، ونورد في هذا الباب ما يوقف به؛ إذ للعرب فيما يوقف به على آخر الكلمة أوجه متعددة، والمراد هنا الكلام على أشهر أنواع الوقف، وهي ثلاثة: السكون، والرَّوْم، والإشمام.

النوع الأول: السكون:

يعدُّ السكون هو الأصل في الوقف على آخر الكلم المتحركة وصلاً؛ لأن معنى الوقف الترك والقَطْع، فهو عبارة عن تَعْرِية الحرف الموقوف عليه من الحركات، ولأن الوقف -أيضاً- ضد الابتداء، وكان الغرض منه الاستراحة، والسكون أخفُّ الحركات كلِّها، وأبلغ في تحصيل الاستراحة، لذا صار أصلاً بهذا الاعتبار.

قال الشاطبي  في «الشاطبية»:

والاسْكَانُ أصْلُ الوقْفِ وهْوَ اشْتِقَاقُهُمِنَ الوقْفِ عَنْ تَحْريكِ حرفٍ تعزَّلا

النوع الثاني: الرَّوْم:

وهو عند القراء النطق ببعض الحركة، أو إضعاف الصوت بها حتى يذهب معظمُ صوتِها، فيسمع لها صوت خَفِيٌّ يسمعه القريب المُصغي دون البعيد؛ لأنها غير تامة. وقُدِّرَ المنطوقُ به من الحركةِ بثُلُثِهَا.

قال الشاطبي  في «الشاطبية»:

وروْمُكَ إسماعُ المحرَّكِ واقِفاًبصَوْتٍ خَفِيٍّ كُلَّ دانٍ تَنَوَّلَا

وقال ابن الجزري  في «المقدمة»:

وحاذِرِ الْوَقْفَ بكُلِّ الحركَهْإِلَّا إِذَا رُمْتَ فبَعْضُ الحركهْ

والرَّوْم والاختلاس يشتركان في تبعيض الحركة، إلا أن الرَّوم أخص؛ من حيث إنه لا يكون في المفتوح والمنصوب، ويكون في الوقف فقط، والثابت من الحركة فيه أقلُّ من المحذوف. والاختلاس أعمُّ؛ لأنه يتناول الحركات الثلاث، ولا يختص بالآخِر، والثابت فيه من الحركة أكثر من المحذوف.

ويشمل الوقف بالرَّوْم ما كان متحركاً بالكسر والجر، والضم والرفع.

النوع الثالث: الإشمام:

وهو ضمُّ الشفتين بُعَيْد الإسكان إشارة إلى الضم، ولابدَّ من اتصال ضمِّ الشفتين بالإسكان، فلو تراخى فإسكان مجرَّد، وهذا معنى قول الشاطبي  في «الشاطبية»:

والاشمامُ إطْبَاقُ الشِّفاهِ بُعَيْدَ مَايُسَكَّنُ لا صَوْتٌ هناك فيَصْحَلَا

ويدركه البصير دون الأعمى.

ويشمل الوقف بالإشمام ما كان متحركاً بالضم والرفع.

قال الشاطبي  في «الشاطبية»:

وفِعْلُهُمَا في الضَّمِّ والرفْعِ وارِدٌوَرَوْمُكَ عند الكَسْرِ والْجرِّ وُصِّلَا
ولم يَرَهُ في الفَتْحِ والنصْبِ قارئٌوعندَ إمَامِ النَّحْوِ في الْكُلِّ أُعْمِلَا

وباعتبار ما تقدَّم انقسم الوقف على أواخر الكلم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما يوقف عليه بالأنواع الثلاثة: السكون، والرَّوْم، والإشمام. ويشمل ما كان متحركاً بالرفع والضم، نحو: ﴿نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، و﴿عَظِيمٞ﴾ [البقرة: 7]، و﴿مِن قَبۡلُۖ﴾ [البقرة: 25]، و﴿يَٰصَٰلِحُ﴾ [الأعراف: 77].

القسم الثاني: ما يوقف عليه بالسكون، والرَّوْم، ولا يجوز فيه الإشمام، ويشمل ما كان متحركاً بالخفض والكسر، نحو: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]، و﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 8]، و﴿أُفّٖ﴾ [الإسراء: 23]، و﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ [البقرة: 31].

وليعلم أنه لا بدَّ من حذف التنوين حال الوقف بالرَّوْم.

القسم الثالث: ما يوقف عليه بالسكون، ولا يجوز فيه الرَّوم، ولا الإشمام. ويستوعب هذا القسم خمسة أصناف، هي:

1.ما كان ساكناً في الوصل، نحو: ﴿وَلَا تَمۡنُن﴾ [المدثر: 6]، و﴿وَمَن يُهَاجِرۡ﴾ [النساء: 100].

2.ما كان في الوصل متحركاً بالفتح غير منوَّن، وحركته ليست منقولة نحو: ﴿لَا رَيۡبَۛ﴾ [البقرة: 2]، و﴿ءَامَنَ﴾ [البقرة: 13].

3.الهاء التي تلحق الأسماء في الوقف بدلاً من تاء التأنيث، نحو: ﴿ٱلۡجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]، و﴿ٱلۡقِبۡلَةَ﴾ [البقرة: 143].

4.ميم الجمع، سواء في قراءة من لم يحركها في الوصل ولم يصلها، أم في قراءة من حرَّكها في الوصل ووصلها، نحو ﴿عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ﴾ [البقرة: 6]، و﴿فِيهِمۡ﴾ [البقرة: 129].

5.ما كان متحركاً في الوصل بحركة عارضة؛ لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿قُمِ ٱلَّيۡلَ﴾ [المزمل: 2]، و﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: 2]، و﴿وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ [آل عمران: 139].

ويدخل في هذا الصنف ﴿يَوۡمَئِذٍ﴾ [آل عمران: 167] و﴿حِينَئِذٖ﴾ [الواقعة: 84]؛ لأن كسرة الذال إنما عرضت عند إلحاق التنوين، فإذا زال التنوين وقفاً، رجعت الذال إلى أصلها وهو السكون، بخلاف تنوين ﴿غَوَاشٖۚ﴾ [الأعراف: 41]، و﴿وَكُلّٞ﴾ [الأنفال: 54]؛ لأن التنوين فيهما دخل على متحرك، فالحركة أصلية.

قال الشاطبي  في «الشاطبية»:

وفي هاءِ تأنيثٍ وميمِ الجميعِ قُلْوعارضِ شَكْلٍ لم يكونا ليَدْخُلا

كيفية الوقف على هاء الضمير:

لأهل العلم ثلاثة مذاهب في الوقف على هاء الضمير بالروم والإشمام، فمنهم من أجاز الرَّوم والإشمام فيها مطلقاً، ومنهم من ذهب إلى المنع مطلقاً.

وذهب جماعة من المحققين إلى التفصيل، فمنعوا الروم والإشمام فيها إذا كان قبلها ضم، أو واو ساكنة، أو كسر، أو ياء ساكنة، نحو: ﴿يَرۡفَعُهُۥۚ﴾ [فاطر: 10]، و﴿عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: 75]، و﴿بِهِۦ﴾ [البقرة: 22]، و﴿إِلَيۡهِ﴾ [البقرة: 28].

وأجازوهما إذا لم يكن قبل هاء الضمير ذلك؛ بأن انفتح ما قبلها، أو وقع قبلها ألف، أو ساكن صحيح، نحو: ﴿لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ﴾ [طه: 97]، و﴿وَهَدَىٰهُ﴾ [النحل: 121]، و﴿مِنۡهُ﴾ [البقرة: 60]، و﴿وَيَتَّقۡهِ﴾ [النور: 52].

قال ابن الجزري: «وهو أعدل المذاهب عندي، والله أعلم».

وقد أشار الشاطبي في «الشاطبية» إلى هذه المذاهب بقوله:

وفي الهاءِ للإِضْمَارِ قَوْمٌ أَبَوْهُمَاومِن قَبْلِهِ ضَمٌّ أَوِ الكَسْرُ مُثِّلَا
أَوُ امَّاهُمَا واوٌ وياءٌ، وبعضُهُمْيَرَى لهما في كُلِّ حَالٍ مُحَلِّلا

المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.