الإثبات والحذف
من المقرر عند علماء القراءة أنه إذا كان آخر الكلمة الموقوف عليها حرفاً من أحرف المد الثلاثة، فالوقف على هذه الكلمة يكون بإثبات حرف المد فيها، شريطة أن يكون حرف المد ثابتاً في رسم المصاحف العثمانية، أما إذا كان حرف المد محذوفاً من المصاحف العثمانية، فالوقف على الكلمة يكون بحذف حرف المد، فإثبات حرف المد وقفاً تابع لإثباته في المصاحف، وحذفه وقفاً فرع عن حذفه في المصاحف أيضاً، فالكلام في هذا الباب على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: في إثبات الألف وحذفها عند الوقف:
تثبت الألف في الوقف إذا كانت ثابتة في الرسم، سواء أكانت ثابتة في الوصل والوقف بأن كان ما بعدها متحركاً، نحو: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، أم كانت الألف محذوفة في الوصل؛ لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: 22]، و﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: 189]، و﴿كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ﴾ [الكهف: 33]، و﴿وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: 15]، و﴿يَٰٓأَيُّهَا﴾ حيث وقع، نحو: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾ [التوبة: 73]، و﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 21]، و﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: 172].
أم كانت الألف محذوفة في الوصل رواية، وجاء بعدها متحرك، وذلك في الألفاظ الآتية:
1.﴿أَنَا۠﴾ حيث وقع في القرآن الكريم، سواء أكان بعده همزة، نحو: ﴿أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ﴾ [يوسف: 45]، ﴿وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]، ﴿إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]، أم لم يكن بعده همزة، نحو: ﴿وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ [يوسف: 72].
2.﴿ٱلظُّنُونَا۠﴾ في سورة الأحزاب [10] في قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠﴾.
3.﴿ٱلرَّسُولَا۠﴾ في سورة الأحزاب [66] في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠﴾.
4.﴿ٱلسَّبِيلَا۠﴾ في سورة الأحزاب [67] في قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾.
5.﴿لَّٰكِنَّا۠﴾ في سورة الكهف [38] في قوله تعالى: ﴿لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾.
6.﴿قَوَارِيرَا۠﴾ في الموضع الأول من سورة الإنسان [15] في قوله تعالى: ﴿كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠﴾.
ويلحق بالألف المحذوفة وصلاً ما يلي:
أ-﴿وَلَيَكُونٗا﴾ في سورة يوسف [32] في قوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾.
ب-و﴿لَنَسۡفَعَۢا﴾ في سورة العلق [15] في قوله تعالى: ﴿لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ﴾.
ج-المنون المنصوب، نحو: ﴿عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 170]، إذ كانت الألف بدلاً من التنوين.
د-ألف ﴿إِذٗا﴾ حيث وقع منوناً، نحو: ﴿إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 42].
إذ أصل الألف في الموضعين الأولين نون التوكيد الخفيفة، وفي المثالين الأخيرين مبدلة من التنوين.
وأما ﴿قَوَارِيرَاْ﴾ الثاني في سورة الإنسان [16]، وهو قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ﴾، فألفه محذوفة وصلاً ووقفاً، وإن كانت ثابتة رسماً، فهو مستثنى من هذه القاعدة، كما يستثنى منها أيضاً ما يلي:
1.الألف من لفظ ﴿ثَمُودَاْ﴾ في سورة هود [68] في قوله تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ﴾، وفي سورة الفرقان [38] في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ﴾، وفي سورة العنكبوت [38] في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾، وفي سورة النجم [51] في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ﴾. فألف ﴿ثَمُودَاْ﴾ في هذه المواضع الأربعة تحذف وصلاً ووقفاً، وإن ثبتت رسماً.
2.﴿سَلَٰسِلَاْ﴾ في سورة الإنسان [4] في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا﴾، فهذه الألف وإن ثبتت رسماً، فلحفص عن عاصم حذفها قولاً واحداً وصلاً، وله إثباتها وحذفها وقفاً.
أما إذا كانت الألف محذوفة رسماً فإنها تحذف وقفاً تبعاً للرسم، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282]، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [القصص: 77]، و﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45]، وكذا لفظ ﴿أَيُّهَ﴾ في سورة النور [31] في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾، وفي سورة الزخرف [49] في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ﴾، وفي سورة الرحمن [31]، في قوله تعالى: ﴿سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾، فيوقف على هذا النوع لحفصٍ ومن وافقه بحذف الألف تبعاً لحذفها في الرسم.
النوع الثاني: في إثبات الواو وحذفها عند الوقف:
تثبُتُ الواو في الوقف إذا ثبتت في الرسم، سواء أكانت ثابتة في الوصل وكان بعدها متحرك، نحو: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾ [البقرة: 45]، و﴿قَالُواْ خَيۡرٗاۗ﴾ [النحل: 30]، أم كانت محذوفة في الوصل، وكان بعدها ساكن، نحو قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ [المائدة: 48]، و﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ﴾ [الرعد: 39].
إلا أربعة أفعال حذفت منها الواو رسماً ولفظاً، ووصلاً ووقفاً، وهي:
الفعل الأول: ﴿وَيَدۡعُ﴾ من ﴿وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ﴾ [الإسراء: 11].
الفعل الثاني: ﴿وَيَمۡحُ﴾ من ﴿وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ﴾ [الشورى: 24].
الفعل الثالث: ﴿يَدۡعُ﴾ من ﴿يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ﴾ [القمر: 6].
الفعل الرابع: ﴿سَنَدۡعُ﴾ من ﴿سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: 18].
ويلحق بهذه الأفعال قوله تعالى: ﴿وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [التحريم: 4]؛ بناء على أنه جمع مذكر سالم حذفت نونه للإضافة، وواوه للاكتفاء بالضمة، وهو أحد قولين فيه، أما على القول بأنه مفرد، فلا حذف فيه أصلاً، وتكون الكلمات المحذوفة منها الواو أربع كلمات فقط.
وصفوة القول أن الواو تحذف وقفاً إذا حذفت رسماً سواء حذفت وصلاً كما تقدم، أو ثبتت وصلاً نحو قوله تعالى: ﴿لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ﴾ [الحج: 59].
النوع الثالث: في إثبات الياء وحذفها عند الوقف:
تَثْبُتُ الياء وقفاً إذا ثبتت رسماً، سواء أكانت ثابتة وصلاً، وذلك إذا كان بعدها متحرك، نحو قوله تعالى: ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن﴾ [الأعراف: 178]، أم كانت محذوفة وصلاً وذلك إذا كان بعدها ساكن، نحو قوله تعالى: ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ﴾ [البقرة: 269]؛ للتخلص من التقاء الساكنين، فإذا وقف القارئ ثبتت لعدم وجود الساكن بعدها.
وتحذف كذلك الياء وقفاً إذا حذفت رسماً، كالوقف على ﴿وَلۡتَأۡتِ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ﴾ [النساء: 102]، وعلى التاء أيضاً من ﴿وَءَاتِ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ [الإسراء: 26]، وعلى ﴿يَتَّقِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ﴾ [يوسف: 90]، وعلى دال ﴿عِبَادِ﴾ من قوله تعالى: ﴿يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16].
ومن هذا النوع المواضع التي وقع فيها بعد الياء المحذوفة ساكن، وعددها سبعةَ عشرَ موضعاً، وهي:
1.﴿وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النساء: 146].
2.﴿فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ﴾ [المائدة: 3].
3.﴿حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 103].
4.﴿بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ﴾ [طه: 12].
5.﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ [الحج: 54].
6.﴿عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ﴾ [النمل: 18].
7.﴿ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾ [القصص: 30].
8.﴿بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ﴾ [الروم: 53].
9.﴿إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ [يس: 23].
10.﴿صَالِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [الصافات: 163].
11.﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الزمر: 10].
12.﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ ۞ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ﴾ [الزمر: 17، 18].
13.﴿يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ﴾ [ق: 41].
14.﴿فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾ [القمر: 5].
15.﴿وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ﴾ [الرحمن: 24].
16.﴿بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ﴾ [النازعات: 16].
17.﴿ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ﴾ [التكوير: 16].
أما الياء في ﴿فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ﴾ [النمل: 36]، فيجوز فيها عند الوقف الإثبات والحذف لحفص، وأما في حالة الوصل فليس لحفص فيها إلَّا إثباتها مفتوحة.
وهناك ياء تثبت وصلاً وإن كانت محذوفة وقفاً؛ تبعاً لحذفها رسماً، وهي الياء الناشئة من إشباع كسرة هاء الضمير الواقعة بين متحركين، نحو قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا﴾ [الكهف: 27].
وقد جاءت كلمة ﴿ٱلۡأَيۡدِي﴾ ثابتة الياء لجميع القراء وصلاً ووقفاً في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [ص: 45]، كما جاءت هذه الكلمة محذوفة الياء وصلاً ووقفاً في قوله سبحانه: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ﴾ [ص: 17].
قال صاحب «التحفة السمنودية في تجويد الكلمات القرآنية»:
الحذف والإثبات
المصدر: التجويد الميسّر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.